صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
4541
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
تعالجت به ، والمريض من الأطبّاء يحتاج إلى المشاورة . وإن أخطأك الشّفاء ونباعن دائك الدّواء ، كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك بلائمة ، فإن قتلناك قتلناك بحكم الشّريعة . أو ترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثّقة ، وتعلم أنّك لم تقصّر في اجتهاد ، ولم تفرّط في الدّخول في باب الحزم ، قال المرتدّ : أوحشني كثرة ما رأيت من الاختلاف فيكم ! قال المأمون : لنا اختلافان : أحدهما كالاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز ، والاختلاف في التّشهّد وصلاة الأعياد وتكبير التّشريق ، ووجوه القراءات واختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك . وليس هذا باختلاف ، إنّما هو تخيير وتوسعة ، وتخفيف من المحنة فمن أذّن مثنى وأقام مثنى لم يؤثّم ، ومن أذّن مثنى وأقام فرادى لم يحوّب « 1 » ، لا يتعايرون ولا يتعايبون ، أنت ترى ذلك عيانا وتشهد عليه بتاتا « 2 » . والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا ، وتأويل الحديث عن نبيّنا ، مع إجماعنا على أصل التّنزيل ، واتّفاقنا على عين الخبر . فإن كان الّذي أوحشك هذا حتّى أنكرت من أجله هذا الكتاب ، فقد ينبغي أن يكون اللّفظ بجميع التّوراة والإنجيل متّفقا على تأويله ، كما يكون متّفقا على تنزيله ، ولا يكون بين جميع النّصارى واليهود اختلاف في شيء من التّأويلات . وينبغي لك أن لا ترجع إلّا إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها ولو شاء اللّه أن ينزّل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل ، ولكنّا لم نر شيئا من الدّين والدّنيا دفع إلينا على الكفاية ، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة ، وذهبت المسابقة والمنافسة ، ولم يكن تفاضل وليس على هذا بنى اللّه الدّنيا . قال المرتدّ : أشهد أنّ اللّه واحد لا ندّ له ولا ولد ، وأنّ المسيح عبده ، وأنّ محمّدا صادق ، وأنّك أمير المؤمنين حقّا ! فأقبل المأمون على أصحابه فقال : فروا عليه عرضه « 3 » ، ولا تبرّوه في يومه ريثما يعتق إسلامه ؛ كي لا يقول عدوّه إنّه أسلم رغبة ، ولا تنسوا بعد نصيبكم من برّه وتأنيبه ونصرته ، والعائدة عليه « 4 » . من مضار ( الردة ) ( 1 ) تودي بحياة المرتدّ في الدّنيا وتوجب له الخلود في النّار في الآخرة . ( 2 ) تلقي على الأمّة عبئا ثقيلا من الحذر والاحتياط إذا تمكّن المرتدّ من الفرار إلى خارج مجتمعها . ( 3 ) قد يفتح المرتدّ لأعداء الأمّة ثغرات للإضرار بها بما يقدّمه لهم من معلومات يبنون عليها خطّتهم في مواجهتها . ( 4 ) قد تؤدّي الرّدّة إلى اضطراب المجتمع بإغراء البسطاء بالاقتداء بالمرتدّ حين يظفر بحماية أعداء الأمّة وما يغدقون عليه من رفاهية العيش .
--> ( 1 ) لم يحوب ، من الحوب ، بالضم . . وهو الإثم . وهذا الفعل مما لم يذكر في المعاجم . ( 2 ) بتاتا ، اي قطعا . ( 3 ) فروا ، من الوفر - يقال : وفره عرض ووفره له : لم يشتمه . ( 4 ) البيان والتبيين 3 / 375 وما بعدها .