صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4327

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

أسباب كفران النعم وجحودها : قال الغزاليّ - رحمه اللّه تعالى - لم يقصّر بالخلق عن شكر النّعم إلّا الجهل والغفلة ، فإنّهم منعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النّعم ، ولا يتصوّر شكر النّعمة إلّا بعد معرفة كونها نعمة ، ثمّ إنّهم إن عرفوا نعمة ظنّوا أنّ الشّكر عليها أن يقول باللّسان : الحمد للّه والشّكر للّه . ولم يعرفوا أنّ معنى الشّكر أن يستعمل النّعمة في إتمام الحكمة الّتي أريدت بها وهي طاعة اللّه عزّ وجلّ - فلا يمنع من الشّكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلّا غلبة الشّهوة واستيلاء الشّيطان . أمّا الغفلة عن النّعم فلها أسباب ، وأحد أسبابها أنّ النّاس بجهلهم لا يعدّون ما يعمّ الخلق ويسلم لهم في جميع أحوالهم نعمة ، فلذلك لا يشكرون على ما عمّ اللّه به الخلق من شتّى النّعم في الكون والنّفس كالشّمس والقمر واللّيل والنّهار والحرارة والبرودة واستساغة الطّعام ، ذلك ممّا لا يحصى كثرة ؛ لأنّها عامّة للخلق ، مبذولة لهم في جميع أحوالهم ، فلا يرى كلّ واحد لنفسه منهم اختصاصا به فلا يعدّه نعمة ، فلا تراهم يشكرون اللّه على روح الهواء ولو أخذ بمختنقهم لحظة حتّى انقطع الهواء عنهم ماتوا ، ولو حبسوا في بيت حمّام فيه هواء حارّ أو في بئر فيه هواء ثقل برطوبة الماء ماتوا غمّا ، فإن ابتلي واحد منهم بشيء من ذلك ثمّ نجا ربّما قدّر ذلك نعمة وشكر اللّه عليها ، وهذا غاية الجهل إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النّعمة ثمّ تردّ عليهم في بعض الأحوال . والنّعمة في جميع الأحوال أولى بأن تشكر في بعضها فلا ترى البصير يشكر صحّة بصره إلّا أن تعمى عيناه فعند ذلك لو أعيد عليه بصره أحسّ به وشكره وعدّه نعمة ، وهذا الجاهل الّذي لم يقدّر نعمة اللّه عليه مثل العبد السّوء ، حقّه أن يضرب دائما حتّى إذا ترك ضربه ساعة تقلّد به منّة ، فإن ترك ضربه على الدّوام غلبه البطر وترك الشّكر ، فصار النّاس لا يشكرون إلّا المال الّذي يتطرّق إليه الاختصاص من حيث الكثرة والقلّة وينسون جميع نعم اللّه تعالى عليهم . ولو أمعن الإنسان النّظر في أحواله رأى من اللّه نعما كثيرة تخصّه لا يشاركه فيها النّاس كافّة بل يشاركه عدد يسير من النّاس ، وربّما لا يشاركه فيها أحد من الخلق ، وذلك يتمثّل في ثلاثة أمور يعترف بها كلّ عبد : أحدها : العقل . فإنّه ما من عبد للّه تعالى إلّا وهو راض عن اللّه في عقله يعتقد أنّه أعقل النّاس ، وقلّ من يسأل اللّه تعالى العقل ، ولذا وجب على كلّ الخلق شكر اللّه . والأمر الثّاني : الخلق . فما من عبد إلّا ويرى من غيره عيوبا يكرهها وأخلاقا يذمّها ، وإنّما يذمّها من حيث يرى نفسه بريئا منها فإذا لم يشتغل بذمّ الغير وجب عليه أن يشكر اللّه إذ حسن خلقه وابتلي غيره بسوء الخلق . والأمر الثّالث الّذي يقرّ به كلّ واحد : العلم . فما من أحد إلّا ويعرف بواطن أمور نفسه وخطايا أفكاره وما هو منفرد به ، ولو كشف الغطاء حتّى اطّلع عليه أحد من الخلق لا فتضح ، فكيف لو اطّلع النّاس كافّة ألا يوجب ستر القبيح وإخفاؤه عن عين النّاس شكر هذه النّعمة العظيمة ؟ ولم يصرف الخلق عن شكر هذه النّعمة إلّا الغفلة والجهل . وأعمّ من هذه الأمور أمور