صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3201
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
حتّى ما أرى ورائي ، من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ولا غبارهم ، شيئا . حتّى يعدلوا قبل غروب الشّمس إلى شعب فيه ماء . يقال له ذا قرد « 1 » . ليشربوا منه وهم عطاش قال : فنظروا إليّ أعدو وراءهم . فحلّيتهم عنه « 2 » ( يعني أجليتهم عنه ) فما ذاقوا منه قطرة . قال : ويخرجون فيشتدّون في ثنيّة . قال : فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكّه بسهم في نغض « 3 » كتفه . قال : قلت خذها وأنا ابن الأكوع * واليوم يوم الرّضّع قال : يا ثكلته أمّه ، أكوعه بكرة « 4 » ؟ . قال : قلت : نعم . يا عدوّ نفسه ! أكوعك بكرة . قال : وأردوا فرسين على ثنيّة . قال : فجئت بهما أسوقهما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال : ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء . فتوضّأت وشربت . ثمّ أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو على الماء الّذي حلّأتهم عنه « 5 » . فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أخذ تلك الإبل وكلّ شيء استنقذته من المشركين وكلّ رمح وبردة . وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الّذي استنقذت من القوم . وإذا هو يشوي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من كبدها وسنامها . قال : قلت : يا رسول اللّه ! خلّني فأنتخب من القوم مائة رجل . فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلّا قتلته . قال : فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى بدت نواجذه في ضوء النّار . فقال : « يا سلمة ، أتراك كنت فاعلا ؟ » . قلت : نعم . والّذى أكرمك ، فقال : « إنّهم الآن ليقرون « 6 » في أرض غطفان » . قال : فجاء رجل من غطفان فقال : نحر لهم فلان جزورا . فلمّا كشفوا جلدها رأوا غبارا . فقالوا : أتاكم القوم . فخرجوا هاربين . فلمّا أصبحنا ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة . وخير رجّالتنا سلمة » . قال : ثمّ أعطاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سهمين : سهم الفارس وسهم الرّاجل . فجمعهما لي جميعا . ثمّ أردفني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وراءه على العضباء « 7 » . راجعين إلى المدينة . قال : فبينما نحن نسير . قال : وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدّا . قال : فجعل يقول : ألا مسابق إلى المدينة ؟ هل من مسابق ؟ فجعل يعيد ذلك . قال : فلمّا سمعت كلامه ، قلت : أما تكرم كريما ، ولا تهاب شريفا ؟ قال : لا . إلّا أن يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : قلت : يا رسول اللّه ، بأبي وأمّي ، ذرني فلأ سابق الرّجل ، قال : « إن شئت » ، قال : قلت : اذهب إليك . وثنيت رجليّ فطفرت « 8 » فعدوت . قال : فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي « 9 » ثمّ عدوت في إثره . فربطت عليه شرفا أو شرفين . ثمّ إنّي رفعت حتّى ألحقه « 10 » . قال : فأصكّه بين كتفيه . قال : قلت : قد سبق واللّه ! قال : أنا أظنّ « 11 » . قال : فسبقته إلى المدينة . . . الحديث ) * « 12 » .
--> ( 1 ) ذا قرد : ماء على ليلتين من المدينة بينه وبين خيبر ( حوالي 75 كيلو ) . وفي بعض النسخ : ذو قرد . ( 2 ) فحليتهم عنه : أي طردتهم عنه . وقد فسرها في الحديث بقوله : يعنى أجليتهم عنه . قال القاضي : كذا روايتنا فيه هنا غير مهموز . قال وأصله الهمز ، فسهله . وقد جاء مهموزا بعد هذا في الحديث . ( 3 ) نغض : هو العظم الرقيق على طرف الكتف . سمي بذلك لكثرة تحركه . وهو الناغض أيضا . ( 4 ) قال : يا ثكلته أمه أكوعه بكرة : معنى ثكلته أمه ، فقدته . وقوله : أكوعه ، هو برفع العين ، أي أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار ؟ ولهذا قال : نعم . وبكرة منصوب غير منون . قال أهل العربية : يقال أتيته بكرة بالتنوين ، إذا أردت أنك لقيته باكرا في يوم غير معين . قالوا : وإن أردت بكرة يوم بعينه ، قلت أتيته بكرة ، غير مصروف . لأنها من الظروف المتمكنة . ( 5 ) حلأتهم عنه : أي منعتهم عنه . ( 6 ) ليقرون : أي يضافون : والقرى الضيافة . ( 7 ) العضباء : لقب ناقة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 8 ) فطفرت : أي وثبت وقفزت . ( 9 ) فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي : معنى ربطت حبست نفسي عن الجري الشديد . والشرف ما ارتفع من الأرض . وقوله : أستبقي نفسي ، أي لئلا يقطعني البهر . ( 10 ) رفعت حتى ألحقه : أي أسرعت . قوله : حتى ألحقه . حتى ، هنا ، للتعليل بمعنى كي . وألحق منصوب بأن مضمرة بعدها . ( 11 ) أظن : أي أظن ذلك . حذف مفعوله للعلم به . ( 12 ) مسلم ( 1807 ) .