صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3610
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
ماء . قال : فتوضّأ منها وضوءا دون وضوء « 1 » . قال : وبقي فيها شيء من ماء . ثمّ قال لأبي قتادة : « احفظ علينا ميضأتك . فسيكون لها نبأ » . ثمّ أذّن بلال بالصّلاة . فصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ركعتين . ثمّ صلّى الغداة فصنع كما كان يصنع كلّ يوم . قال : وركب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وركبنا معه . قال فجعل بعضنا يهمس إلى بعض « 2 » : ما كفّارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا ؟ ثمّ قال : « أما لكم فيّ أسوة « 3 » ؟ » . ثمّ قال : « أما إنّه ليس في النّوم تفريط « 4 » . إنّما التّفريط على من لم يصلّ الصّلاة حتّى يجيء وقت الصّلاة الأخرى . فمن فعل ذلك فليصلّها حين ينتبه لها . فإذا كان الغد فليصلّها عند وقتها » . ثمّ قال : « ما ترون النّاس صنعوا ؟ » . قال : ثمّ قال « 5 » : « أصبح النّاس فقدوا نبيّهم » . فقال أبو بكر وعمر : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعدكم . لم يكن ليخلّفكم . وقال النّاس : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أيديكم . فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا . قال : فانتهينا إلى النّاس حين امتدّ النّهار وحمي كلّ شيء . وهم يقولون : يا رسول اللّه ! هلكنا . عطشنا . فقال : « لا هلك عليكم « 6 » » . ثمّ قال : « أطلقوا لي غمري « 7 » » . قال : ودعا بالميضأة . فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصبّ وأبو قتادة يسقيهم . فلم يعد أن رأى النّاس ماء في الميضأة تكابّوا عليها « 8 » . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحسنوا الملأ « 9 » . كلّكم سيروى » . قال ففعلوا . فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصبّ وأسقيهم حتّى ما بقي غيري وغير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال ثمّ صبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لي : « اشرب » . فقلت : لا أشرب حتّى تشرب يا رسول اللّه قال : « إنّ ساقي القوم آخرهم شربا » . قال فشربت . وشرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال فأتى النّاس الماء جامّين رواء « 10 » . قال فقال عبد اللّه بن
--> ( 1 ) وضوءا دون وضوء : أي وضوءا خفيفا . ( 2 ) يهمس إلى بعض : أي يكلمه بصوت خفي . ( 3 ) أسوة : الأسوة كالقدوة والقدوة ، هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره . إن حسنا وإن قبيحا . وإن سارّا وإن ضارّا . ولهذا قال تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ( الأحزاب / 21 ) . فوصفها بالحسنة . كذا قال الراغب . ( 4 ) ليس في النوم تفريط : أي تقصير في فوت الصلاة . لانعدام الاختيار من النائم . ( 5 ) ما ترون الناس صنعوا قال ثم قال . . الخ : قال النووي : معنى هذا الكلام أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما صلّى بهم الصبح ، بعد ارتفاع الشمس ، وقد سبقهم الناس . وانقطع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهؤلاء الطائفة اليسيرة عنهم . قال : ما تظنون الناس يقولون فينا ؟ فسكت القوم . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أما أبو بكر وعمر فيقولان للناس : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وراءكم . ولا تطيب نفسه أن يخلفكم وراءه ويتقدم بين أيديكم . فينبغي لكم أن تنتظروه حتى يلحقكم . وقال باقي الناس : إنه سبقكم فالحقوه . فإن أطاعوا أبا بكر وعمر رشدوا ، فإنهما على الصواب . ( 6 ) لأهلك عليكم : أي لا هلاك . ( 7 ) أطلقوا لي غمري : أي ائتوني به . والغمر القدح الصغير . ( 8 ) فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها : أي لم يتجاوز رؤيتهم الماء في الميضأة تكابهم ، أي تزاحمهم عليها ، مكبا بعضهم على بعض . ( 9 ) أحسنوا الملأ : الملأ الخلق والعشرة . يقال : ما أحسن ملأ فلان أي خلقه وعشرته . وما أحسن ملأ بني فلان أي عشرتهم وأخلاقهم . ذكره الجوهري وغيره . وأنشد الجوهري : تنادوا يالبهثة إذ رأونا * فقلنا : أحسني ملأ جهينا ( 10 ) جامين رواء : أي مستريحين قد رووا من الماء . والرواء ضد العطاش جمع ريّان وريّا ، مثل عطشان وعطشى .