صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3491
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
أي أوصى كلّ منهما صاحبه بمعنى عهد إليه ، وأوصى الرّجل ووصّاه بمعنى ، والاسم من ذلك : الوصيّة والوصاة ، قال الشّاعر : ألا من مبلغ عنّي يزيدا * وصاة من أخي ثقة ودود « 1 » . وقول اللّه تعالى : ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( الأنعام / 151 ) إشارة إلى ما تقدّم من قوله سبحانه قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . . . قال القرطبيّ : هذه الآية أمر من اللّه تعالى لنبيّه بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرّم اللّه ، وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلّغوا النّاس ويبيّنوا لهم ما حرّم عليهم ممّا أحلّ . وقوله ذلِكُمْ إشارة إلى هذه المحرّمات ( والمأمورات ) ، والوصيّة هي الأمر المؤكّد المقدور « 2 » ، وقال أبو حيّان : في لفظ وصّاكم من اللّطف والرّأفة ما لا يخفى من الإحسان ، قال الأعشى : أجدّك لم تسمع وصاة محمّد * نبيّ الإله حين أوصى وأشهدا وقد وصف بها ( أي الوصيّة ) ما فرضه اللّه عزّ وجلّ على عباده في كلّ الشّرائع كما يقول ابن عبّاس رضي اللّه عنهما - في هذه الآية الكريمة والآيتين بعدها ( الآيات 151 - 153 من سورة الأنعام ) « 3 » . فهذه هي الآيات المحكمات الّتي أجمعت عليها شرائع الخلق ولم تنسخ قطّ في ملّة « 4 » ، وقال الطّبريّ في معنى قوله تعالى : وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( العصر / 3 ) أي أوصى بعضهم بعضا بلزوم العمل بما أنزل في كتابه من أمره واجتناب ما نهى عنه فيه ، والحقّ كتاب اللّه تعالى ، أمّا التّواصي بالصّبر فمعناه : أوصى بعضهم بعضا بالصّبر على العمل بطاعة اللّه « 5 » . وقال النّيسابوريّ وفي لفظ التّواصي دون الدّعاء أو النّصيحة تأكيد بليغ كأنّه أمر مهتمّ به كالوصيّة « 6 » . التواصي اصطلاحا : لم تذكر كتب المصطلحات - الّتي وقفنا عليها - التّواصي مصطلحا ، ويمكن تعريفه في ضوء ما ذكره اللّغويّون والمفسّرون : أن يوصي بعض النّاس بعضا بالعمل بكتاب اللّه وبطاعته وبالانتهاء عمّا نهى اللّه عنه . أمّا الوصيّة ( يرادفها الوصاة ) فإنّ لها في الشّرع معنيان : الأوّلّ : عهد خاصّ مضاف إلى ما بعد الموت ، وقد يصحبه التّبرّع « 7 » ، وعرّف صاحب المغني هذا النّوع فقال : هي التّبرّع بالمال بعد الموت « 8 » ، وقد عقد الفقهاء لذلك باب الوصايا . الآخر : وهو المراد هنا ، ما يقع به الزّجر عن المنهيّات والحثّ على المأمورات « 9 » ويكون ذلك من
--> ( 1 ) انظر لسان العرب 15 / 394 ( 2 ) تفسير القرطبي 7 / 134 ( 3 ) انظر هذه الآيات في الشاهد القرآني رقم ( 14 ) . ( 4 ) تفسير البحر المحيط 4 / 250 ( 5 ) تفسير الطبري ج 30 ( مجلد 12 ) ص 188 ( 6 ) تفسير النيسابوري ، بهامش الطبري ج 30 ( مجلد 12 ) ص 160 ( 7 ) فتح الباري ج 5 ، ص 419 ( 8 ) المغني لابن قدامة 6 / 414 ، وانظر أيضا الشرح الكبير ، المجلد نفسه والصفحة نفسها . ( 9 ) فتح الباري ج 5 ، ص 419