صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3359
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
أغمّض عيني عن صديقي كأنّني * لديه بما يأتي من القبح جاهل وما بي جهل غير أنّ خليقتي * تطيق احتمال الكره فيما أحاول متى ما يربني مفصل فقطعته * بقيت ومالي في نهوضي مفاصل ولكن أداريه ، وإن صحّ شدّني * فإن هو أعيا كان فيه تحامل « 1 » مداراة الأعداء واجب للحذر من شرهم : قال الماورديّ - رحمه اللّه تعالى - : إذا كان للإنسان عدوّ وقد استحكمت شحناؤه ، واستوعرت سرّاؤه ، واستخشنت ضرّاؤه ، فهو يتربّص بدوائر السّوء انتهاز فرصة ويتجرّع بمهانة العجز مرارة غصّة ، فإذا ظفر بنائبة ساعدها ، وإذا شاهد نعمة عاندها ، فالبعد عن هذا حذرا أسلم ، والكفّ عنه متاركة أغنم ، لأنّه لا يسلم من عواقب شرّه ، ولا يفلت من غوائل مكره إلّا بالبعد عنه أو مداراته . وقد قال لقمان لابنه : يا بنيّ ، كذب من قال إنّ الشّرّ بالشّرّ يطفأ ، فإن كان صادقا فليوقد نارين ، ولينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى ، وإنّما يطفئ الخير الشّرّ كما يطفئ الماء النّار . وأمّا إذا كان هذا العدوّ لئيم الطّبع خبيث الأصل فمثل هذا لا يستقبح الشّرّ ، ولا يكفّ عن المكروه فهذا حاله أطمّ وضرره أعمّ ولا سلامة من مثله إلّا بالبعد عنه والانقباض ، ولا خلاص منه إلّا بالصّفح والإعراض لأنّه كالسّبع الضّاري في سوارح الغنم وكالنّار بطبع لا يزول ، وجوهر لا يتغيّر « 2 » . الفرق بين المداراة والمداهنة : قال ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - : المداراة صفة مدح ، والمداهنة صفة ذمّ ، والفرق بينهما أنّ المداري يتلطّف بصاحبه حتّى يستخرج منه الحقّ أو يردّه عن الباطل ، والمداهن يتلطّف به ليقرّه على باطله ويتركه على هواه . فالمداراة لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النّفاق . وقد ضرب مثل لذلك مطابق ، وهو حال رجل به قرحة قد آلمته فجاءه الطّبيب المداوي الرّفيق ، فتعرّف حالها ثمّ أخذ في تليينها ، حتّى إذا نضجت أخذ في بطّها برفق وسهولة ، حتّى إذا أخرج ما فيها وضع على مكانها من الدّواء والمرهم ما يمنع فسادها ، ثمّ تابع عليها بالمراهم الّتي تنبت اللّحم ، ثمّ يذرّ عليها بعد نبات اللّحم ما ينشّف رطوبتها ، ثمّ يشدّ عليها الرّباط ، ثمّ لم يزل يتابع ذلك حتّى صلحت ، أمّا المداهن فقال لصاحبها لا بأس عليك منها وهذه لا شيء فاسترها عن العيون بخرقة ثمّ اله عنها ، فلا تزال مدّتها تقوى وتستحكم حتّى عظم فسادها « 3 » . [ للاستزادة : انظر صفات : التودد - الحكمة - الشفقة - حسن الخلق - الحلم - حسن المعاملة - الستر . وفي ضد ذلك : انظر صفات : البذاءة - الفحش - الفضح - المجاهرة بالمعصية - الطيش - الحمق - الإساءة - سوء الخلق - سوء المعاملة - النفاق ] .
--> ( 1 ) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان البستي ( 70 - 73 ) بتصرف واختصار . ( 2 ) أدب الدنيا والدين ( 223 - 224 ) بتصرف يسير . ( 3 ) الروح لابن القيم ص 208