صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3293
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
فقالت : هذا ما قلت لك ؟ قال عبيد اللّه : وما قالت لك ؟ فأخبره ، فازداد تعجّبا وقال : خبّريني ، فما ادّخرت لبنيك إذا انصرفوا ؟ قالت : ما قال حاتم طيّء : ولقد أبيت على الطّوى « 1 » وأظلّه * حتّى أنال به كريم المأكل فازداد منها عبيد اللّه تعجّبا . وقال : أرأيت لو انصرف بنوك وهم جياع ، ولا شيء عندك ، ما كنت تصنعين بهم ؟ قالت : يا هذا ، لقد عظمت هذه الخبزة عندك وفي عينك حتّى أن صرت لتكثر فيها مقالك ، وتشغل بذكرها بالك ، أله عن هذا وما أشبهه ؛ فإنّه يفسد النّفس ، ويؤثّر في الحسّ . فازداد تعجّبا ، ثمّ قال لغلامه : انطلق إلى فتيانها فإذا أقبل بنوها فجئني بهم ، فقالت العجوز : أما إنّهم لا يأتونك إلّا بشريطة . قال : وما هي ؟ قالت : لا تذكر لهم ما ذكرته لي ، فإنّهم شباب حداث ، تحرجهم الكلمة ، ولا آمن بوادرهم إليك ، وأنت في هذا البيت الرّفيع والشّرف العالي ، فإذا نحن من شرّ العرب جوارا ، فازداد عبيد اللّه تعجّبا ، وقال لها : سأفعل ما أمرت به . فقالت العجوز للغلام : انطلق . فاقعد بحذاء الخباء الّذي رأيتني في ظلّه ، فإذا أقبل ثلاثة أحدهم دائم الطّرف نحو الأرض ، قليل الحركة ، كثير السّكون ، فذاك الّذي إذا خاصم أفصح وإذا طلب أنجح . والآخر دائم النّظر ، كثير الحذر ، له أبّهة قد كلمت من حدّه . وأثّرت في نسبه ، فذاك الّذي إذا قال فعل ، وإذا ظلم قتل . والآخر كأنّه شعلة نار ، وكأنّه يطلب الخلق بثأر ، فذاك الموت المائت ، وهو واللّه والموت قسمان . فاقرأ عليهم سلامي ، وقل لهم تقول لكم والدتكم : لا يحدثنّ أحد منكم أمرا حتّى تأتوها . فانطلق الغلام ، فلمّا جاء الفتية أخبرهم . فما قعد قائمهم ، ولا شدّ جمعهم حتّى تقدّموا سراعا . فلمّا دنوا من عبيد اللّه ، ورأوا أمّهم ، سلّموا ، فأدناهم عبيد اللّه من مجلسه ، وقال : إنّي لم أبعث إليكم ولا إلى أمّكم لما تكرهون . قالوا : فما بعد هذا ؟ قال : أحبّ أن أصلح من أمركم ، وألمّ من شعثكم « 2 » . قالوا : إنّ هذا قلّ ما يكون إلّا عن سؤال أو مكافأة لفعل قديم . قال : ما هو لشيء من ذلك . ولكن جاورتكم في هذه اللّيلة ، وخطر ببالي أن أضع بعض مالي فيما يحبّ اللّه ، قالوا : يا هذا ، إنّ الّذي يحبّ اللّه لا يجب لنا . إذ كنّا في خفض من العيش . وكفاف من الرّزق ، فإن كنت هذا أردت فوجّهه نحو من يستحقّ ، وإن كنت أردت النّوال مبتدئا لم يتقدّمه سؤال ، فمعروفك مشكور وبرّك مقبول ، فأمر لهم عبيد اللّه بعشرة آلاف درهم وعشرين ناقة ، وحوّل أثقاله إلى البغال والدّوابّ ، وقال : ما ظننت أنّ في العرب والعجم من يشبه هذه العجوز وهؤلاء الفتيان ، فقالت العجوز لفتيانها : ليقل كلّ واحد منكم بيتا من الشّعر في هذا
--> ( 1 ) الطّوى : الجوع . ( 2 ) شعثكم : تفرقكم