العلامة المجلسي

43

بحار الأنوار

وكان غرضه صلى الله عليه وآله منه التلطف وإدخالهم في الاسلام ، ولعله صلى الله عليه وآله كان يقول : هؤلاء الفقراء لا يفوتهم بسبب هذه أمرهم في الدنيا وفي الدين ، وهؤلاء الكفار فإنهم يفوتهم الدين والاسلام ، وكان ترجيح هذا الجانب أولى ، فأقصى ما يقال : إن هذا الاجتهاد وقع خطأ إلا أن الخطاء في الاجتهاد مغفور . وأما قوله ثانيا : إن طردهم يوجب كونه صلى الله عليه وآله من الظالمين فجوابه أن الظلم عبارة عن وضع الشئ في غير موضعه ، والمعني أن أولئك الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول صلى الله عليه وآله ، فإذا طردهم عن ذلك المجلس فكان ذلك ظلما إلا أنه من باب ترك الأولى والأفضل ، لا من باب ترك الواجبات ، وكذا الجواب عن سائر الوجوه ، فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى والأحرى انتهى كلامه ( 1 ) . وأقول : جملة القول في تلك الآية أنها لا تدل على وقوع الطرد عنه صلى الله عليه وآله ، ولعله صلى الله عليه وآله بعد ما ذكروا ذلك انتظر الوحي فنهاه الله تعالى عن ذلك ، والأخبار الدالة على ذلك غير ثابتة فلا يحكم بها مع معارضة الأدلة العقلية والنقلية الدالة على عصمته صلى الله عليه وآله ، وقد تقدم بعضها في باب عصمة الأنبياء عليهم السلام ، ولو سلم أنه وقع منه ما ذكروه فلعله كان مأذونا في إيقاع كل ما يراه موجبا لهداية الخلق وترغيبهم في الاسلام ، ولما أظهروا أنهم يسلمون عند وقوع المناوبة فعله صلى الله عليه وآله رغبة في إسلامهم ، ولما علم الله أنهم لا يسلمون بذلك وإنما غرضهم في ذلك الاضرار بالمسلمين نهاه الله تعالى عن ذلك ، فصار بعد النهي حراما ، وإنما بين تعالى أنه لو ارتكب ذلك بعد النهي يكون من الظالمين لا قبله ، وإنما أكد ذلك لقطع إطماع الكفار عن مثل ذلك ، ولبيان الاعتناء بشأن فقراء المؤمنين ، وأما قول نوح عليه السلام : " ما أنا بطارد المؤمنين " فلعل المراد الطرد بالكلية ، أو على غير جهة المصلحة ، ومن غير وعد لاسلام الكافرين معلقا عليه ، أو يقال : إنه عليه السلام لعله نهاء الله عن ذلك ، ولما لم ينه النبي صلى الله عليه وآله بعد كان يجوز له ذلك ، وأما قوله تعالى : " فبهداهم اقتده " فليس المراد الاقتداء في جميع الأمور لاختلاف الشرائع ، بل المراد الاقتداء بهم في الأمور التي

--> ( 1 ) مفاتيح الغيب 4 : 71 و 72 .