العلامة المجلسي
176
بحار الأنوار
الحجاز بأسا ، وأمنعهم دارا ، حتى أن قريشا تعتضد بهم ( 1 ) ، والأوس والخزرج تستبق إلى محالفتهم وتتكثر بنصرتهم ، فأباد الله خضراءهم ، واستأصل شأفتهم ، واجتث أصلهم ( 2 ) فأجلى النبي صلى الله عليه وآله بني النضير وبني قينقاع ، وقتل بني قريظة ، وشرد أهل خيبر ، وغلب على فدك ، ودان ( 3 ) أهل وادي القرى ، فمحا الله سبحانه آثارهم صاغرين ، وقال قتادة : معناه أن الله سبحانه أذلهم ذلا لا يعزون بعده أبدا . وقال رحمه الله في قوله تعالى : " والله يعصمك من الناس " : في هذه الآية دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وصحة نبوته من وجهين : أحدهما : أنه وقع مخبره على ما أخبر به . والثاني : أنه لا يقدم على الاخبار به إلا وهو يأمن أن يكون مخبره على ما أخبر به ، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله لما نزلت هذه الآية قال لحراس من أصحابه كانوا يحرسونه ، منهم سعد وحذيفة : الحقوا بملاحقكم ، فإن الله سبحانه عصمني من الناس . قوله تعالى : " وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه " قال الرازي : هذا من شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وآله ، قالوا : لو كان رسولا من عند الله فهلا انزل عليه آية قاهرة ومعجزة باهرة ، ويروى أن بعض الملحدة طعن فقال : لو كان محمد قد أتى بآية ومعجزة لما صح أن يقول أولئك الكفار : " لولا انزل عليه آية " . والجواب عنه : أن القرآن معجزة قاهرة بدليل أنه صلى الله عليه وآله تحداهم به فعجزوا عن معارضته ، وذلك يدل على كونه معجزا ، بقي أن يقال : فإذا كان الامر كذلك فكيف قالوا : " لولا انزل عليه آية من ربه ؟ فنقول : الجواب عنه من وجوه : الأول : لعل القوم طعنوا في كون القرآن معجزا على سبيل اللجاج والعناد ، و
--> ( 1 ) في المصدر : كانت تعتضد بهم . ( 2 ) خضراءهم أي سوادهم ومعظمهم ، ذكره الجوهري ، وقال : الشأفة : قرحة تخرج في أصل القدم فتكوى فتذهب ، يقال في المثل : استأصل الله شأفته ، أي أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكي منه قدس سره أقول : اجتثه أي انقلعه من أصله . ( 3 ) في المصدر : ودان له .