العلامة المجلسي

174

بحار الأنوار

أقول : وفي هذا أيضا إخبار ببواطن أمورهم ، وبما كانوا يخفونه عن المسلمين ، على سبيل الاعجاز ، وكذا قوله : " لا يضركم كيدهم شيئا " إخبار بما سيكون ، وقد كان ، وكذا قوله : " لقد صدقكم الله وعده " فإنه تعالى قد أخبر بالوعد ، وإنه قد وقع ، ولو لم يكن لأنكر عليه المعاندون ، ولو أنكروا عليه لنقل ، وسيأتي تفسيره ، وكذا قوله " بيت طائفة منهم " إخبار بسرائر أمورهم . قوله تعالى : " لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " قال الرازي : ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه : الأول : قال أبو بكر الأصم : معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد ، والله تعالى كان يطلع الرسول على تلك الأحوال حالا فحالا ، ويخبره عنها على سبيل التفصيل ، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق ، فقيل لهم : إن ذلك لو لم يكن بإخبار الله تعالى لما اطرد الصدق فيه ، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت ، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ذلك بإعلام الله تعالى . والثاني : وهو الذي ذهب إليه أكثر المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير ، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم ، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة ، لان الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك ، ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله . الثالث : ما ذكره أبو مسلم الاصفهاني وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة حتى لا يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك ، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد ، ومن المعلوم أن الانسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة فإذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكثيرة فلابد وأن يظهر التفاوت في كلامه ، بحيث يكون بعضه قويا متينا ، وبعضه سخيفا نازلا ، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه المعجز من عند الله تعالى انتهى ( 1 ) . وأقول : قوله تعالى : " ستجدون آخرين " إخبار بما سيكون ، والكلام فيه كالكلام

--> ( 1 ) مفاتيح الغيب 3 : 269 .