صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

1518

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

على الإنسان في الدّنيا . فتحذيره صلّى اللّه عليه وسلّم هذا التّحذير البالغ من دخول الرّجال على النّساء ، وتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت ، دليل صحيح نبويّ على أنّ قوله تعالى : فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ عامّ في جميع النّساء - كما ترى - . إذ لو كان حكمه خاصّا بأزواجه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لما حذّر الرّجال هذا التّحذير البالغ العامّ من الدّخول على النّساء ، وظاهر الحديث التّحذير من الدّخول عليهنّ ولو لم تحصل الخلوة بينهما ، وهو كذلك ، فالدّخول عليهنّ ، والخلوة بهنّ كلاهما محرّم تحريما شديدا بانفراده ، كما قدّمنا أنّ مسلما ( رحمه اللّه ) أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبيّة والدّخول عليها فدلّ على أنّ كليهما حرام . وقال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور : إيّاكم والدّخول ، بالنّصب على التّحذير ، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليتحرّز عنه - كما قيل : إيّاك والأسد . وتقدير الكلام اتّقوا أنفسكم أن تدخلوا على النّساء ، وتضمّن منع الدّخول منع الخلوة بها بطريق الأولى . 4 - * وعن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : ( يرحم اللّه نساء المهاجرات الأوّل ، لمّا أنزل اللّه وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ شققن مروطهنّ فاختمرن بها ) « 1 » . وعن صفيّة بنت شيبة : ( أنّ عائشة - رضي اللّه عنها - كانت تقول : لمّا نزلت هذه الآية وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ أخذن أزرهنّ فشققنها من قبل الحواشي ، فاختمرن بها . انتهى من صحيح البخاريّ « 2 » . قال ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث : قوله : فاختمرن : أي غطّين وجوههنّ ، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر ، وهو التّقنّع . قال الفرّاء : كانوا في الجاهليّة تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدّامها فأمرن بالاستتار « 3 » . انتهى محلّ الغرض من فتح الباري . وهذا الحديث الصّحيح صريح في أنّ النّساء الصّحابيّات المذكورات فيه فهمن أنّ معنى قوله تعالى : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ يقتضي ستر وجوههنّ ، وأنّهنّ شققن أزرهنّ ، فاختمرن أي سترن وجوههنّ بها امتثالا لأمر اللّه في قوله تعالى : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ المقتضي ستر وجوههنّ ، وبهذا يتحقّق المنصف : أنّ احتجاب المرأة عن الرّجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السّنّة الصّحيحة المفسّرة لكتاب اللّه تعالى ، وقد أثنت عائشة - رضي اللّه عنها - على تلك النّساء بمسارعتهنّ لامتثال أوامر اللّه في كتابه . ومعلوم

--> ( 1 ) البخاري - الفتح 8 ( 4758 - 4759 ) . والمروط : جمع مرط ، وهو الإزار . ( 2 ) البخاري - الفتح 8 ( 4759 ) . ( 3 ) معاني القرآن للفراء ( 2 / 249 ) باختلاف في لفظه ، وينظر فتح الباري ( 8 / 347 ) .