صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

1354

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

فيصيرون بمنزلة المشركين الّذين قالوا : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ ( الأنعام / 148 ) . وأمّا أهل السّنّة والجماعة فوسطيّتهم في إيمانهم بأنّ اللّه على كلّ شيء قدير ، فيقدر أن يهدي العباد ، ويقلّب قلوبهم ، وأنّه ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن ، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ أمره وأنّه خالق كلّ شيء من الأعيان والصّفات والحركات ، كما يؤمنون في الوقت نفسه أنّ العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنّه مختار ، ولا يسمّونه مجبورا ( أي فيما كلّف به ) إذ إنّ المجبور من أكره على خلاف اختياره ، واللّه سبحانه وتعالى جعل العبد مختارا لما يفعله فهو مختار مريد ، واللّه خالقه وخالق اختياره . وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيديّة الّذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلّدين في النّار ويخرجونهم من الإيمان بالكلّيّة ، ويكذّبون بشفاعة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبين المرجئة الّذين يقولون : إيمان الفسّاق مثل إيمان الأنبياء ، والأعمال الصّالحة ليست من الدّين والإيمان ، ويكذّبون بالوعيد والعقاب بالكلّيّة ، فيؤمن أهل السّنّة والجماعة بأنّ فسّاق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله وليس معهم جميع الإيمان الواجب الّذي يستوجبون به الجنّة وأنّهم لا يخلّدون في النّار ، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبّة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان . وهم في أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسط بين الغالية الّذين يغالون في عليّ - رضي اللّه عنه - وأهل البيت ، فيفضّلون عليّا على أبي بكر وعمر ، ويعتقدون أنّه الإمام المعصوم دونهما ، وأنّ الصّحابة ظلموا وفسقوا ، وكفّروا الأمّة بعدهم كذلك ، وربّما جعلوه نبيّا وإلها ، وبين الجافية الّذين يعتقدون كفره وكفر عثمان ، ويستحلّون دماءهما ودماء من تولّاهما ، ويستحبّون سبّ عليّ وعثمان ونحوهما ، ويقدحون في خلافة عليّ رضي اللّه عنه - وإمامته . ووسطيّتهم في سائر أبواب السّنّة راجع لتمسّكهم بكتاب اللّه وسنّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وما اتّفق عليه السّابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والّذين اتّبعوهم بإحسان « 1 » . أمّا ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - فإنّه يحضّ على الأخذ بالوسط ؛ لأنّ فيه النّجاة من الظّلم ، فقال : الوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتّفريط هو العدل وهو الّذي عليه بناء مصالح الدّنيا والآخرة ، بل حتّى مصلحة البدن لا تقوم إلّا به ؛ لأنّه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحّته وقوّته بحسب ذلك ، ومثل ذلك الأفعال الطّبيعيّة كالنّوم والسّهر والأكل والشّرب والحركة والرّياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك ، إذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين كانت عدلا وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا « 2 » .

--> ( 1 ) انتهى بتصرف من مجموع الفتاوى ( 3 / 370 - 375 ) . ( 2 ) الفوائد ( 139 ) .