صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
1306
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
الصّرف من نفي الوجود ، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى . وقد أجاب أبو عبد اللّه المرسيّ في « ريّ الظّمان » فقال : هذا كلام من لا يعرف لسان العرب ، فإنّ ( إله ) في موضع المبتدأ على قول سيبويه ، وعند غيره اسم ( لا ) ، وعلى التّقديرين فلابدّ من خبر المبتدأ ، وإلّا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد » « 1 » . وقد علّق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على ذلك فقال : ما قاله صاحب المنتخب ليس بجيّد ، وهكذا ما قاله النّحاة وأيّده الشّيخ أبو عبد اللّه المرسيّ من تقدير الخبر بكلمة ( في الوجود ) ليس بصحيح ؛ لأنّ الآلهة المعبودة من دون اللّه كثيرة وموجودة ، وتقدير الخبر بلفظ « في الوجود لا يحصل به المقصود من بيان أحقّيّة الوهيّة اللّه سبحانه ، وبطلان ما سواها » ؛ لأنّ لقائل أن يقول : كيف تقولون : « لا إله في الوجود إلّا اللّه » ؟ وقد أخبر اللّه سبحانه عن وجود آلهة كثيرة للمشركين ، كما في قوله سبحانه : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ، وقوله سبحانه فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً الآية . فلا سبيل إلى التّخلّص من هذا الاعتراض وبيان عظمة هذه الكلمة وأنّها كلمة التّوحيد المبطلة لآلهة المشركين وعبادتهم من دون اللّه ، إلّا بتقدير الخبر بغير ما ذكره النّحاة ، وهو كلمة « حقّ » ؛ لأنّها هي الّتي توضّح بطلان جميع الآلهة وتبيّن أنّ الإله الحقّ والمعبود بالحقّ هو اللّه وحده ، كما نبّه على ذلك جمع من أهل العلم منهم أبو العبّاس ابن تيميّة وتلميذه العلّامة ابن القيّم وآخرون - رحمهم اللّه - . ومن أدلّة ذلك قوله سبحانه : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ فأوضح سبحانه في هذه الآية أنّه هو الحقّ ، وأنّ ما دعاه النّاس من دونه هو الباطل ، فشمل ذلك جميع الآلهة المعبودة من دون اللّه من البشر والملائكة والجنّ وسائر المخلوقات ، واتّضح بذلك أنّه المعبود بالحقّ وحده ، ولهذا أنكر المشركون هذه الكلمة وامتنعوا من الإقرار بها لعلمهم بأنّها تبطل آلهتهم ؛ لأنّهم فهموا أنّ المراد بها نفي الألوهيّة بحقّ عن غير اللّه - سبحانه - ، ولهذا قالوا جوابا لنبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا قال لهم : « قولوا لا إله إلّا اللّه » أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ، وقالوا أيضا : أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ وما في معنى ذلك من الآيات . وبهذا التّقدير يزول جميع الإشكال ويتّضح الحقّ المطلوب » « 2 » . وقال الشّيخ عبد اللّه بن جبرين : معنى لا إله إلّا اللّه ، هو عبادة اللّه وترك عبادة ما سواه ، وهو الكفر
--> ( 1 ) شرح العقيدة الطحاوية ( 109 - 111 ) . ( 2 ) تعليق الشيخ عبدة العزيز بن باز في هامش ( ص 109 - 110 ) شرح العقيدة الطحاوية .