صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
1143
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
رجاء رحمة اللّه فإنّه يشمل الرّجاء والرّغبة فيما عند اللّه عزّ وجلّ . وإذا انتقلنا إلى الصّفة الثّانية الّتي اقترنت بالمعيّة فهي الصّبر والصّبر يشمل : صبر على الطّاعة وصبر عن المعصية ، وصبر على أقدار اللّه « 1 » . وأمّا الصّفة الثّالثة الّتي نصّ القرآن على اقترانها بالمعيّة فهي الإحسان ، وركنه هو أن تعبد اللّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك والإحسان بمعناه الشّامل الّذي يتضمّن إحسان العمل مثل الفضل ، وكظم الغيظ والإنفاق في سبيل اللّه ، والتّصدّق والزّكاة ونحوها ، والإخلاص التّامّ في كلّ ذلك « 2 » . من أعمال البرّ والتّقوى ، فكلّها أعمال يقوم بها الإنسان ابتغاء الحسنات من اللّه - عزّ وجلّ - ومرضاته تعالى . أمّا أجلّ مظاهر تكريم الإنسان لنفسه فهو جعلها أهلا لحبّ اللّه عزّ وجلّ ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ويكون ذلك بالإيمان باللّه أوّلا ، ثمّ باتّباع رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ثانيا ، ثمّ بالاستمرار في هذه الأمور الثّلاثة : التّقوى والإحسان والصّبر من ناحية ، والعدل والقسط والتّطهّر والتّوكّل والتّوبة والجهاد « 3 » من ناحية ثانية ، أمّا الأمر الثّالث الّذي يكرّم الإنسان به نفسه ويجعلها أهلا للمعيّة والقرب من اللّه عزّ وجلّ فهو الذّكر والدّعاء ونحوهما من الاستغفار والاستعانة والحمد والشّكر والثّناء ، قال تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( الرعد / 28 ) ، ولا يوجد أعظم من هذه الطّمأنينة ، وتلك السّكينة اللّتين تمثّلان غاية السّعادة الإنسانيّة ، وقد كان المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم خير من يقتدى به في هذا المجال حيث كان يصبح ذاكرا ويظلّ ذاكرا حتّى يمسي ، وكان بذلك الذّكر في معيّة مولاه . ج - تكريم الإنسان نفسه بالحفظ والصيانة والتزكية : على الإنسان الّذي يكرّم نفسه أن يحفظ هذه النّفس الّتي حرّمها اللّه تعالى بالعفّة والتّطهّر ، وأن يصونها عن كلّ ما يدنّسها أو يشينها من الموبقات المهلكة مثل الزّنا واللّواط والخمر والميسر ، ونحو ذلك ممّا يذلّ النّفس وينتقص من كرامتها وعزّتها ، ناهيك عمّا يؤذي الجسد والعقل من المخدّرات وما في حكمها ، إنّ الإنسان بذلك يجعل نفسه في فريق السّعداء في الدّنيا والآخرة . قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ « 4 » مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( الشمس / 9 - 10 ) ، المعنى كما يقول ابن تيميّة - رحمه اللّه - : « قد أفلح من كبّرها وأعلاها بالطّاعة ، وخسر من أخفاها وحقّرها وصغّرها بمعصية اللّه - عزّ وجلّ - ، فالطّاعة والبرّ تكبر النّفس وتعزّها وتعليها حتّى تصير أشرف شيء وأكبره ، وأزكاه وأعلاه ، ويكون ذلك بالإيمان بآيات اللّه وسننه الكونيّة وآياته العلميّة ، فبالتّفكّر والتّدبّر لهذه الآيات ، وبالفهم والتّعقّل لآيات القرآن تزكو النّفس وتسمو وتعلو على مدارج هذه الكمالات حتّى تكون مع الأبرار « 5 » ، وقد صدق اللّه العظيم إذ قال : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي
--> ( 1 ) انظر صفة الصبر في هذه الموسوعة . ( 2 ) انظر صفة الإحسان في هذه الموسوعة ، وقارن بما ذكره الشيخ الغزالي في كتابه « المحاور الخامسة » حيث ذكر معاني الإحسان في القرآن الكريم ص 192 وما بعدها . ( 3 ) انظر الفقرة الخاصة بمعية اللّه للإنسان واقتران ذلك بكل هذه الصفات . ( 4 ) أقسم اللّه - عز وجل - على ذلك بسبعة أشياء هي : 1 - الشمس ، 2 - القمر ، 3 - النهار ، 4 - الليل ، 5 - السماء ، 6 - الأرض ، 7 - النفس . ( 5 ) التفسير القيم ( 511 - 512 ) . وانظر هامش ( 511 ) بتصرف يسير .