صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

527

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

يفيد في ظنّه ، بل يجب عليه عليه الأمر والنّهي لا القبول ، وكما قال اللّه عزّ وجلّ : ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ( المائدة / 99 ) ومثّل العلماء هذا بمن يرى إنسانا في الحمّام أو غيره مكشوف بعض العورة ونحو ذلك ، قال العلماء : لا يشترط في الآمر والنّاهي أن يكون كامل الحال ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه بل عليه الأمر ، وإن كان مخلّا بما يأمر به ، والنّاهي وإن كان متلبّسا بما ينهى عنه ، فإنّه يجب عليه شيئان : أن يأمر نفسه وينهاها ، ويأمر غيره وينهاه ، فإذا أخلّ بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر . قال العلماء : ولا يختصّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بأصحاب الولايات ؛ بل ذلك جائز لآحاد المسلمين . قال إمام الحرمين : والدّليل عليه إجماع المسلمين ، فإنّ غير الولاة في الصّدر الأوّل ، والعصر الّذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إيّاهم وترك توبيخهم على التّشاغل بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من غير ولاية . ثمّ إنّه إنّما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه ، وذلك يختلف باختلاف الشّيء ، فإن كان من الواجبات الظّاهرة والمحرّمات المشهورة كالصّلاة والصّيام والزّنا والخمر ونحوها ، فكلّ المسلمين علماء بها ، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال وممّا يتعلّق بالاجتهاد لم يكن للعوامّ مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء ، ثمّ العلماء إنّما ينكرون ما أجمع عليه ، أمّا المختلف فيه فلا إنكار فيه « 1 » . القطب الأعظم في الدين : قال الإمام أبو حامد الغزاليّ - رحمه اللّه - : « إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدّين ، وهو المهمّ الّذي ابتعث اللّه له النّبيّين أجمعين ، ولو طوي بساطه ، وأهمل علمه وعمله لتعطّلت النّبوّة ، واضمحلّت الدّيانة ، وعمّت الفترة « 2 » ، وفشت الضّلالة ، وشاعت الجهالة ، واستشرى الفساد ، واتّسع الخرق ، وخربت البلاد ، وهلك العباد ، ولم يشعروا بالهلاك إلّا يوم التّناد ، وقد كان الّذي خفنا ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه ، وانمحق بالكلّيّة حقيقته ورسمه ، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة الخالق ، واسترسل النّاس في اتّباع الهوى والشّهوات استرسال البهائم ، وعزّ « 3 » على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، فمن سعى في تلافي هذه الفترة ، وسدّ هذه الثّلمة إمّا متكفّلا بعملها أو متقلّدا لتفنيدها مجدّدا لهذه السّنّة الدّاثرة ناهضا بأعبائها ومتشمّرا في إحيائها كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنّة أفضى الزّمان إلى إماتتها ، ومستبدّا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها « 4 » . [ للاستزادة : انظر صفات : الإرشاد - الإنذار - التبليغ - التذكير - التعاون على البر والتقوى - الدعوة إلى اللّه - النصيحة - الوعظ . وفي ضد ذلك : انظر صفات : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف - الغي والإغواء - الفسوق - التهاون ] .

--> ( 1 ) صحيح مسلم بشرح النووي ( 2 / 23 ) . ( 2 ) الفترة : هي السكون بعد الحدّة ، والهدوء بعد الشّدّة . ( 3 ) عزّ : قلّ . ( 4 ) إحياء علوم الدين للغزالي ( 2 / 306 ) .