صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

510

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

الأمانة والتّكليف : قال النّيسابوريّ : الأمانة هي الطّاعة وهي التّكليف ، ثمّ ذكر أنّ التّكليف هو الأمر بخلاف ما في الطّبيعة « 1 » ، وهذا النّوع ليس في السّموات والأرض والجبال ، لأنّ السّموات لا يطلب منها الهبوط ، والأرض لا يطلب منها الصّعود ولا الحركة ، والجبال لا يطلب منها السّير ، وكذا الملائكة مهتمّون بالتّسبيح والتّقديس ، ( وإنّما في الإنسان وحده ) ، وسمّي التّكليف أمانة لأنّ من قصّر فيه فعليه الغرامة ومن أدّاه فله الكرامة ، وعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو لعدم صلوحها لهذا الأمر ، وقد خصّ بعضهم التّكليف بقول : « لا إله إلّا اللّه عزّ وجلّ ، قال النّيسابوري : والأظهر عندي أنّ الأمانة هي الاستعداد الّذي جبل كلّ نوع من المخلوقات عليه ، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقّها ، كما يقال : فلان ركب عليه الدّين ، فكلّ من أخرج ما في قوّته إلى الفعل فهو مؤدّ للأمانة وقاض حقّها ، وإلّا فهو حامل لها ، ولا ريب أنّ السّموات مسخّرات بأمر اللّه كلّ يجري لأجل مسمّي ، والأرض ثابتة في مستقرّها ، والجبال راسخة في أمكنتها ، وهكذا كلّ نوع إلّا الإنسان ، فإنّ كثيرا من الأشخاص ، بل أكثرها مائلة إلى أسفل سافلين ، فلا جرم إن لم يقض حقّ الأمانة وانحطّ إلى رتبة الأنعام ، فوصف بالظّلوميّة لأنّه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله ، وبالجهوليّة لأنّه جهل عاقبة إفساد الاستعداد ، أو علم ولم يعمل بعلمه ، فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته ، وعلى ذلك فالمراد بالإنسان هو الآدميّون ، وحمل الشّيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس كلّه » « 2 » . لقد ذكر كثير من المفسّرين ما يؤيّد أنّ الأمانة هي التّكليف عندما قال : إنّ ما كلّفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله أنّه عرض على أعظم ما خلق اللّه من الأجرام وأقواه فأبى محمله ، وحملها الإنسان على ضعفه ورخاوة قوّته ، قال أبو حيّان : أي أنّ الإنسان لم يكن حاله - فيما يصحّ منه من الانقياد لأوامر اللّه ونواهيه ، وهو حيوان صالح للتّكليف - مثل حال تلك الجمادات فيما يصحّ منها ويليق بها من الانقياد « 3 » ، وقال ابن كثير : ما قيل في الآية الكريمة من الأقوال العديدة لا تنافي بينها ، بل هي متّفقة وراجعة إلى أنّها التّكليف وقبول الأوامر والنّواهي بشرطها ، وهو أنّه إن قام بذلك أثيب ، وإن تركها عوقب » « 4 » .

--> ( 1 ) المراد بذلك : الأمر بما فيه حرية واختيار للمخلوق بخلاف ما يكون في طبيعة المخلوقات من إحداث أمور لا اختيار لها فيها . ( 2 ) تفسير النيسابوري ( بهامش الطبري ) مجلد 10 ح 22 ص 34 ، 35 ( 3 ) البحر المحيط لأبي حيان 7 / 244 ( باختصار وتصرف ) . ( 4 ) تفسير ابن كثير 3 / 530 ، وتجدر الإشارة إلى أن ابن كثير قد سبق الأستاذ العقاد بهذا الرأي وهو أن المراد بالأمانة هو التكليف وأن من لم يذكر ذلك من المفسرين بنصه ذكره بمقتضياته ومتعلقاته انظر : الإنسان في القرآن ص 42 .