صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
44
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
ويظنّون أنّهم يقيمون الصّلاة بأفضل ممّا يقيمها غيرهم ، ولئن صدقوا فقد حملوا من الوزر ما أضاع أصل صلاتهم ، فلا ينفعهم ما ظنّوه من الإنكار على غيرهم في ترك بعض السّنن أو المندوبات . وترى قوما آخرين يعتزلون مساجد المسلمين ، ثمّ يتّخذون لأنفسهم مساجد أخرى ، ضرارا وتفريقا للكلمة ، وشقّا لعصا المسلمين . نسأل اللّه العصمة والتّوفيق ، وأن يهدينا إلى جمع كلمتنا ، إنّه سميع الدّعاء . وهذا المعنى الّذي ذهب إليه الشّافعيّ لا يعارض حديث الباب « 1 » ، فإنّ الرّجل الّذي فاتته الجماعة لعذر ، ثمّ تصدّق عليه أخوه من نفس الجماعة بالصّلاة معه - وقد سبقه بالصّلاة فيها - هذا الرّجل يشعر في داخلة نفسه كأنّه متّحد مع الجماعة قلبا وروحا ، وكأنّه لم تفته الصّلاة . وأمّا النّاس الّذين يجمعون وحدهم بعد صلاة جماعة المسلمين فإنّما يشعرون أنّهم فريق آخر ، خرجوا وحدهم ، وصلّوا وحدهم . وقد كان عن تساهل المسلمين في هذا ، وظنّهم أنّ إعادة الجماعة في المساجد جائزة مطلقا - : أن فشت بدعة منكرة في الجوامع العامّة ، مثل الجامع الأزهر والمسجد المنسوب للحسين - رضي اللّه عنه - وغيرهما بمصر ، وبلاد أخرى ، فجعلوا في المسجد الواحد إمامين راتبين أو أكثر ، ففي الجامع الأزهر - مثلا - إمام للقبلة القديمة ، وآخر للقبلة الجديدة ، ونحو ذلك في مسجد الحسين - رضي اللّه عنه - ؛ وقد رأينا فيه أنّ الشّافعيّة لهم إمام يصلّي بهم الفجر في الغلس ، والحنفيّون لهم آخر يصلّي الفجر بإسفار ، ورأينا كثيرا من الحنفيّة من علماء وطلّاب وغيرهم ينتظرون إمامهم ليصلّي بهم الفجر ، ولا يصلّون مع إمام الشّافعيّن ، والصّلاة قائمة ، والجماعة حاضرة ، ورأينا فيهما وفي غيرهما جماعات تقام متعدّدة في وقت واحد ، وكلّهم آثمون ، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا ، بل قد بلغنا أنّ هذا المنكر كان في الحرم المكّيّ ، وأنّه كان يصلّي فيه أئمّة أربعة ، يزعمونهم للمذاهب الأربعة ، ولكنّا لم نر ذلك ، إذ لم ندرك هذا العهد بمكّة ، وإنّما حججنا في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرّحمن آل السّعود - يرحمه اللّه - وسمعنا أنّه أبطل هذه البدعة ، وجمع النّاس في الحرم على إمام واحد راتب ، ونرجو أن يوفّق اللّه علماء الإسلام لإبطال هذه البدعة من جميع المساجد في البلدان ، بفضل اللّه وعونه ، إنّه سميع الدّعاء « 2 » . [ للاستزادة انظر : صفات : الألفة ، الإخاء ، التناصر ، الاعتصام ، التعاون على البر والتقوى ، التعارف ، حسن العشرة ، حسن المعاملة . وفي ضد ذلك انظر صفات التفرق ، التخاذل ، التنازع ، التعاون على الإثم والعدوان ، الفتنة ، سوء المعاملة ، سوء الخلق ] .
--> ( 1 ) المراد الحديث الذي أورده الترمذي في فضل صلاة الجماعة . ( 2 ) انظر : سنن الترمذي ، بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ( 1 / 431 . 432 ) .