صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

125

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وأجمعوا على أنّ الإخلاص في الطّاعة ترك الرّياء « 1 » . وقال الفضيل بن عياض : ترك العمل لأجل النّاس رياء ، والعمل لأجلهم شرك ، والإخلاص : الخلاص من هذين . وفي رواية عنه : والإخلاص : أن يعافيك اللّه منهما « 2 » . حقيقة الإخلاص : فحقيقة الإخلاص ، باعتباره التزاما في مواقف الحياة ، لا مجرّد تصوّر نظريّ ، وهو « التّبرّي عن كلّ ما دون اللّه » يجعلنا ننظر إليه من زاويتين : الأولى : من جهة تعلّقه بالعمل ، أو من حيث كونه واقعا يتعلّق بحياة النّاس ومواقفها ، أو من حيث كونه يتعلّق بسلوك الإنسان ، من هذا القبيل نجد أن العمل الصّادر عن الإنسان - أيّا كان - إذا قصد به وجه اللّه ، وظهرت الشّواهد على ذلك ، فإنّه يعدّ عملا مخلصا ، لأنّه خالص من الشّرك ، والرّياء ، والمراءاة ، والشّهرة . لأنّ العمل الإنسانيّ قد يشوبه شيء ما من ذلك ، فإذا صفا عن شوبه ، وخلص منه سمّي خالصا ، فالإخلاص ينافي الإشراك ، والرّياء ، والغشّ ، والخداع ، والاحتيال ، والكذب ، ولذا قد نجد بينه وبين الصّدق قرابة معنى ، وكذلك يمتدّ إلى معنى الصّراحة ، ويلتقي بمفهوم الوضوح ، والأمانة والصّفاء . وإذا كانت كلّ المعاني السّابقة من رياء وغشّ وخداع ، واحتيال ، وكذب ، تمتدّ إلى الشّرك بمعنى ما ، فإنّ من الشّرك ما هو خفيّ وما هو جليّ ، وكذا الإخلاص ، وكلاهما يرد على قلب المسلم ويكون ذلك في المقصود والنّيّة ، ولذا يأتي الفعل على قدر النّيّة ، إمّا مخلصا أو غير مخلص ، فمن كان قصده من عمله الرّياء ، فهو غير مخلص ، ومن كان غرضه التّقرّب إلى اللّه تعالى فهو مخلص ، إلّا أنّ العادة جرت بتخصيص الإخلاص على قصد التّقرّب إلى اللّه تعالى وتخليصه من جميع ما يشوبه . وكلّ عمل باعثه التّقرّب إلى اللّه تعالى ، وانضاف إليه خطرة بشريّة حتّى صار العمل موسوما بها ، وأخفّ من جهتها من حيث الإتيان ، فقد خرج العمل عن الإخلاص ، وخرج عن أن يكون خالصا لوجه اللّه تعالى ، وبالتّالي خرج من أن يكون محقّقا لإنسانيّة الإنسان ، وكما يقول الإمام الغزاليّ : « كلّ حظّ من حظوظ الدّنيا تستريح إليه النّفس ، ويميل إليه القلب ، قلّ أم كثر ، إذا تطرّق إلى العمل تكدّر به صفوه ، وزال به إخلاصه ، والإنسان مرتبط في حظوظه ، منغمس في شهواته ، قلّما ينفكّ فعل من أفعاله ، وعبادة من عباداته عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس . فلذلك قيل : من سلم له من عمره لحظة خالصة لوجه اللّه نجا ، وذلك لعزّة الإخلاص وعسر تنقية القلب عن هذه الشّوائب ، بل الخالص هو الّذي لا باعث له إلّا طلب القرب من اللّه تعالى » « 3 » . وقد ذكر ابن تيميّة أنّ إخلاص الدّين هو الّذي

--> ( 1 ) التعريفات ( 13 ) ، والإحياء ( 4 / 400 ) وما بعدها . ( 2 ) مدارج السالكين ( 3 / 95 ) والتعريفات ( 13 ) . ( 3 ) إحياء علوم الدين ( 4 / 368 ) ، ومفردات الراغب ( 154 ) .