صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

مقدمة 89

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ » ، ثم قال : « ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها » « 1 » . النفس الإنسانية ودورها في المجال الأخلاقي : للنفس الإنسانية دور بارز فيما يتعلّق بالأخلاق لأنها إما أن تساعد صاحبها على أن يكون من الأخيار وهي النفس المطمئنة ، وإما أن تلومه على السيئات فتدفعه إلى التوبة والاستغفار ، كما تلومه على عدم الإكثار من الحسنات وهذه هي النفس اللوامة ، وإما أن تأمره بالشر وارتكاب المعاصي وتلك هي النفس الأمارة بالسوء ، ولهذه المواقف الثلاث تأثير بالغ على تحلي الإنسان بالأخلاق الفاضلة أو الوقوع في براثن الرذيلة والاتصاف بسوء الخلق ، والتناسب بين هذه الحالات الثلاث تناسب عكسي ، فكلما قويت النفس المطمئنة التي ألهمها اللّه التقوى ضعفت النفس الأمارة بالسوء التي ألهمت الفجور ، وبينهما النفس اللوامة « 2 » ، وهي تلك التي تلوم على ما فات ، وتندم عليه ، فتلوم على الشر لم فعلته ؟ وتلوم على الخير لم لا تستكثر منه ؟ ومن ثم تكون اللوامة : التي تلوم صاحبها باستمرار وهي بذلك صفة مدح ، فإذا كانت كل من النفس المطمئنة والنفس الأمّارة تقومان بعملية التوجيه ، فإن النفس اللوامة تقوم بعملية المراجعة والتقويم انطلاقا من الفطرة التي تستحسن الخير وتحث عليه ، وهنا ندرك لماذا كانت القسمة ثنائية في قوله تعالى : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها فجعل للنفس قسمين فقط هما : التقية بأمر ربها ، والفاجرة بإذن صاحبها ، أما إذا نظرنا إلى طبيعة الإنسان وما منحه اللّه من عقل يميّز به بين الطيب والخبيث ، وبين الحسن والرديء في ضوء الشرع ، فقد زود الإنسان بقوة ثالثة تتولى عملية التوازن وتقوم بدور التصحيح ، ألا وهي النفس اللوامة . [ انظر الكشاف التوضيحي ( 10 - 13 أ ) ، وانظر كذلك خريطة الابتلاء والنفس الإنسانية ] . الدور الأخلاقي للنفس المطمئنة : أما النفس المطمئنة فإنها تأمر بالخير وتحض عليه ، ويكون من نتيجة الالتزام بذلك تخلّق الإنسان بالأخلاق الطيبة في جميع علاقاته ، وفي كل ما يصدر عن قلبه أو جوارحه أو لسانه ، ففيما يتعلّق بعلاقته مع اللّه - عز وجل - نجد قلبه يعمر بالإيمان ، والرضا ، والتوحيد ، والتقوى ، والرجاء ، والخوف ، ونجد هذا القلب فيما يتعلق بالإنسان نفسه متصفا بالأمانة ، والتأني ، والتفاؤل ، والحياء ، والسكينة ، والطمأنينة ، أما فيما يتعلق بالغير فنجده ممتلئا بالسماحة والرحمة والرفق والمحبة . . . ونحو ذلك . وإذا انتقلنا إلى مجال الأعمال الظاهرة أو أعمال الجوارح لوجدنا أعمال الإسلام من صلاة وصيام وحج ، ووجدنا في النفس الاستقامة والطهارة وأكل الطيبات ، وفيما يتعلّق بالغير نجد الإنسان متخلقا بالإحسان والإخاء والأدب والإنفاق والبر وحسن العشرة وحسن المعاملة وصلة الرحم وكفالة اليتيم والمروءة والمواساة ونحو ذلك . ويخضع اللسان أيضا لتوجيه النفس المطمئنة فلا يصدر عنه فيما يتعلّق باللّه - عز وجل - إلّا كل طيب كالابتهال والدعاء والاستخارة والاستغاثة والذكر وتلاوة القرآن ، وفيما يتعلّق بالإنسان نفسه نجد صفات مثل

--> ( 1 ) روي هذا الحديث بطرق مختلفة ، وأصله في البخاري ومسلم ، وقد أورده المفسرون عند تفسير الآية 19 من سورة آل عمران ، انظر تفسير القرطبي 4 / 310 ، وتفسير ابن كثير 1 / 417 ، وقد ذكرنا الحديث بتمامه في الموسوعة 4 / 1070 فلينظر تخريجه هناك . ( 2 ) اختلف المفسرون اختلافا كبيرا في معنى النفس اللوامة ، فقيل هي التي تلوم على الخير والشر ، وروي عن مجاهد أنها التي تندم على ما فات ( تفسير ابن كثير 4 / 477 ) ، وقال القرطبي : هي نفس المؤمن الذي لا تراه إلا يلوم نفسه ، ويقول ما أردت كذا فلا تراه إلا يعاتب نفسه ، وقد نقل القرطبي ذلك عن ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم ، انظر تفسير القرطبي 19 / 93 ، وانظر ما نقلنا آنفا صفحة ( ع ح ) عن ابن القيم في تفسير معنى اللوامة وتقسيمه لها إلى : لوامة غير ملومة ، ولوامة ملومة .