صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

مقدمة 87

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

اعرف نفسك : النفس ومراحل الحياة الإنسانية : لذا إذا تدبرنا معنى كلمة النفس في اللغة العربية لوجدناها مرتبطة بمراحل حياة الإنسان منذ تكوينه ومستقره قبل ولادته ، وعند ولادته ، وبمراحل حياته المختلفة ، ثم بلحظة مماته وبعثه . وهذه السلسلة المترابطة من المعاني لا انفصام لها ولا تتوافر هذه الصلة أو هذا الاتصال في أي لغة أخرى ، فالإنسان يخلق في رحم أمه ( ومن عجائب خلقه ) أنه يعيش تسعة أشهر في الرحم بدون أن « يتنفس » . ثم تنفسه أمه : أي تلده ، فهي إذا في حالة النفاس ، وتسمّى الوالدة نفساء . والمنفوس هو المولود ، وفي الحديث : « ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب اللّه مكانها من الجنة والنار ، وإلا وقد كتبت شقيّة أو سعيدة » « 1 » . وفي اللحظة التي تلده أمه بقدرة القادر سبحانه وتعالى يستمد المنفوس « النفس » ويصبح قادرا على التنفس ، وقالوا : سميّت النفس نفسا لتولّد النفس منها واتصاله بها ، وكما ترون فإن جميع معاني هذه الكلمات مشتقة من كلمة « نفس » . . أي النفس الإنسانية . ولنتابع هذه التسلسل العجيب وهذه المعاني المترابطة ، فما أن تولد هذه النفس وتتنفس حتى تصبح نفيسة ، وكل شيء له خطر وقدر فهو نفيس ، وإذا نفس الشيء ارتفع قدره وصار مرغوبا فيه ، وقد رفع القرآن الكريم من شأن النفس وأهميتها فقال تعالى : مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً « 2 » . وفي مجال الحياة فلكلمة النفس ومشتقاتها معاني عظيمة منها : النّفس : العظمة والكبر ، والنّفس : العزة والهمة ، والنفس : عين الشيء وكنهه وجوهره ، ويعبر بها عن الإنسان جميعه « 3 » . بعد ذلك يبدأ مشوار الحياة مع سنّة الحياة وهي التنافس بين البشر ، يقال : تنافسا ذلك الأمر وتنافسا فيه أي تسابقا وتراغبا فيه على وجه المباراة والمنافسة ، وفي القرآن الكريم : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ « 4 » ، وفي التنافس والمنافسة لابد من فائز ومهزوم ، فيقال لواحد : أنت في نفس من أمرك أي في سعة ، وقد قيل : اعمل وأنت في نفس من أمرك أي فسحة وسعة قبل الهرم والأمراض والآفات ، والتقط أنفاسه : استراح . ويقال : نفّس اللّه عنه كربته ، أي فرّجها ، كما يقال : اللهم نفّس عني ، أي فرّج عني ووسّع عليّ ، وفي الحديث : « من سرّه أن ينجّيه اللّه من كرب يوم القيامة فلينفّس عن معسر ، أو يضع عنه » « 5 » . أما المحروم الذي يرى الفائز فقد يكون في نفسه أثر ورغبة فيحسد ويقال له النّفوس : أي العيون الحسود لأموال الناس ليصيبها ، ويقال أصابت فلان نفس ، أي عين حاسدة ، ويقال : نفس عليك فلان ينفس نفسا ونفاسة أي حسدك . والنفس : العين ، والنافس : العائن ، والمعيون : المنفوس . وفي الحديث « نهى عن الرقية إلّا في النملة والخمة والنّفس » « 6 » . أي الإصابة بالعين .

--> ( 1 ) مسلم ج 4 ( حديث رقم 2647 ) . ( 2 ) المائدة / 32 . ( 3 ) انظر معاني كلمة النفس في اللغة ، صفحة ( ع ) . ( 4 ) المطففين / 29 . ( 5 ) مسلم ج 3 ( حديث رقم 1563 ) . ( 6 ) سنن أبي داود كتاب الطب ، حديث 3888 .