صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

مقدمة 79

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

سجود القلب : قيل لبعض العارفين : أيسجد القلب ؟ قال : نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء ، فهذا سجود القلب « 1 » . فقلب لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجد السجود المراد منه ، وإذا سجد القلب للّه - هذه السجدة العظمى - سجدت معه جميع الجوارح ، وعنا الوجه حينئذ للحي القيوم ، وخشع الصوت والجوارح كلها ، وذل العبد وخضع واستكان ، ووضع خده على عتبة العبودية ، ناظرا بقلبه إلى ربه ووليه نظر الذليل إلى العزيز الرحيم ، فلا يرى إلّا متملقا لربه ، خاضعا له ، ذليلا مستعطفا له ، يسأله عطفه ورحمته « 2 » ، « 3 » . اليقظة أول مفاتيح الخير وهي ( منشأ الطمأنينة ) : إذا اطمأنت النفس من الشك إلى اليقين ، ومن الجهل إلى العلم ، ومن الغفلة إلى الذكر ، ومن الخيانة إلى التوبة ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن العجز إلى الكيس ، ومن صولة العجب إلى ذلة الإخبات ومن التيه إلى التواضع ، ومن الفتور إلى العمل فقد باشرت روح الطمأنينة « 4 » ، وأصل هذا كله ومنشؤه من اليقظة فهي أول مفاتيح الخير لأن الغافل عن الاستعداد للقاء ربه والتزود لمعاده بمنزلة النائم بل أسوأ حالا منه ؟ فإن العاقل يعلم وعد اللّه ووعيده وما تقتضيه أوامر الرب تعالى ونواهيه وأحكامه من الحقوق ، لكن يحجبه عن حقيقة الإدراك ويقعده عن الاستدراك سنة القلب « 5 » . وهي غفلته التي رقد فيها فطال رقوده ، وركد وأخلد إلى نوازع الشهوات فاشتد إخلاده وركوده ، وانغمس في غمار الشهوات ، واستولت عليه العادات ومخالطة أهل البطالات ، ورضي بالتشبه ( بأهل إضاعة الأوقات ) ، فهو في رقاده مع النائمين ، وفي سكرته مع المخمورين ، فمتى انكشف عن قلبه سنة هذه الغفلة بزجرة من زواجر الحق في قلبه استجاب فيها لواعظ اللّه في قلب عبده المؤمن ، أو بهمّة عالية أثارها معول الفكر في المحل القابل فضرب بمعول فكره وكبر تكبيرة أضاءت له منها قصور الجنة فقال : ألا يا نفس ويحك ساعديني * بسعي منك في ظلم الليالي لعلك في القيامة أن تفوزي * بطيب العيش في تلك العلالي

--> ( 1 ) وقد عرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الإحسان : « أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » فمن كان في قلبه يقين بهذا الأمر وسجد سجدة خشوع لا يرفع رأسه أبدا من الورع والتقوى وكمال الخضوع للّه عز وجل . ( 2 ) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ابن قيم الجوزية ، الجزء الأول ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الثانية 1408 ه - 1988 م ، ص 462 . ( 3 ) وفي الحديث : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » ومن وصل إلى هذه الدرجات العلى من درجات الإيمان والإحسان واليقين لابد وأن يسجد قلبه سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء . ( 4 ) انظر تفاصيل هذه الصفات وصفة اليقظة بالموسوعة . ( 5 ) ذلك هو الذي ( يعلم ) ما هو الحلال وما هو الحرام ولكنه والعياذ باللّه لا يمتثل لأن ( قلبه غافل ) فما هو السبيل لإيقاظ القلب ؟ !