صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

مقدمة 67

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

عوقب ، وهذا هو مقتضى حمل الأمانة التي قبلها الإنسان وأبت السماوات والأرض أن يحملنها ، يقول اللّه تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا « 1 » . لقد جعل اللّه للإنسان هذه الحياة الدنيا دارا أولى يحيا فيها ويعمرها ، ليستعين بذلك على عبادة ربه طاعة ومحبة وإخلاصا ، ثم ابتلاه بالتكاليف ( بالأوامر والنواهي ) ليمحصه رحمة منه وفضلا ، يقول ابن القيم - رحمه اللّه تعالى - : « ابتلاء الخلق بالأوامر والنواهي ، رحمة لهم وحمية ، لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به ، ومن رحمته : أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها ولا يطمئنوا بها ويرغبوا عن النعيم المقيم في داره وجواره ، فساقهم إليها بسياط الابتلاء والامتحان ، فمنعهم ليعطيهم ، وابتلاهم ليعافيهم ، وأماتهم ليحييهم « 2 » » . قد يظن بعض الناس أن ابتلاء الإنسان بالسراء هو إكرام له لا اختبار طاعة « 3 » ، ويرى الابتلاء بالضراء هو انتقام هوان أو إهانة ، وقد نعى القرآن الكريم على هذا الصنف من الناس ذلك الاعتقاد الباطل ونفاه نفيا حاسما ، يقول اللّه تعالى : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ « 4 » . وقد صحح القرآن الكريم هذا الفهم السيء في الآيات التي تتلو ذلك مباشرة ، وأعاد توجيه الأفهام إلى الممارسات الخاطئة الناتجة عن هذا الفهم السيء لحكمة الابتلاء ، وهذه الممارسة الخاطئة هي عدم إكرام اليتيم وعدم الحض على إطعام المسكين والاستئثار بالمال ولمه وجمعه دون الإنفاق كما أمر اللّه ، فقال تعالى : كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا « 5 » . والأمثال في هذا المجال كثيرة في القرآن مثل ما جاء في سور الشمس والبلد والضحى . والحقيقة هي أن اللّه - عز وجل - يبتلي العباد تارة بالمضار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا فتصير المنحة والمحنة جميعا ابتلاء ، فالمنحة تقتضي الشكر والمحنة تقتضي الصبر ، يقول اللّه تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ « 6 » . إن هذا الإنسان المكرم لم يخلق عبثا ولن يترك سدى ، يقول اللّه تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ « 7 » ، ويقول عز من قائل : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً « 8 » ، ومن ثم فهو محاسب على ما قدمت يداه ، إن خيرا فخير وإن شرّا فشر فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ « 9 » ، وقد أخبرنا المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم عن حدود هذه المسؤولية ومجالاتها عندما قال : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ، عن عمره فيم أفناه ، وعن علمه ما عمل به ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن جسمه فيم أبلاه » « 10 » .

--> ( 1 ) الأحزاب / 72 . ( 2 ) إغاثة اللهفان ( 2 / 172 ) وما بعدها ( بتصرف ) . ( 3 ) فلسفة التربية الإسلامية ، ص 172 ( بتصرف ) . ( 4 ) الفجر / 15 - 16 . ( 5 ) الفجر / 17 - 20 . ( 6 ) الأنبياء / 35 . ( 7 ) المؤمنون / 115 . ( 8 ) القيامة / 36 . ( 9 ) الزلزلة / 7 - 8 . ( 10 ) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب ( 4 / 396 ) ، وقال : رواه الترمذي ، وهو حسن صحيح .