صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

مقدمة 64

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وقد يتكلم صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض النوازل وبحضرته أخلاط من الناس ، قبائلهم شتى ، ولغاتهم مختلفة ، ومراتبهم في الحفظ والإتقان غير متساوية ، وليس كلهم يتيسّر لضبط اللفظ وحصره ، أو يتعمد لحفظه ووعيه ، وإنما يستدرك المراد بالفحوى ، ويتعلق منه بالمعنى ، ثم يؤديه بلغته ، ويعبر عنه بلسان قبيلته ، فيجتمع في الحديث الواحد إذا انشعبت طرقه عدة ألفاظ مختلفة موجبها شيء واحد ، وهذا كما يروى : « أن رجلا كان يهدي إلى رسول اللّه كل عام راوية خمر ، فأهداها عام حرمت ، فقال : إنها حرمت ، فاستأذنه في بيعها ، فقال له : إن الذي حرم شربها حرم بيعها ، قال : فما أصنع بها ؟ قال : سنّها في البطحاء ، قال : فسنّها » ، وجاء في رواية أخرى : « فهتّها » ، وفي رواية أخرى : « فبعّها » « 1 » . والمعنى واحد » « 2 » . ويعني هذا أن اختلاف الرواة قد يكون هو المسؤول عن غرابة كثير من الألفاظ . وقال الخطابي أيضا : وبلغني أن أبا عبيد القاسم بن سلام مكث في تصنيف كتابه ( غريب الحديث ) أربعين سنة يسأل العلماء عما أودعه من تفسير الحديث ، والناس إذ ذاك متوافرون ، والروضة أنف ، والحوض ملآن ، ثم قد غادر الكثير منه لمن بعده ، ثم سعى له أبو محمد ( ابن قتيبة ) سعي الجواد إذا استولى على الأمد « 3 » ، فأسأر « 4 » القدر الذي جمعناه في كتابنا هذا ، وقد بقي من وراء ذلك أحاديث ذات عدد لم أتيسر لتفسيرها ، تركتها ليفتحها اللّه على من يشاء من عباده ، ولكل وقت قوم ، ولكل نشء علم . قال اللّه تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( الحجر / 21 ) « 5 » . وللّه در الخطابي فقد كان الناس فعلا إذ ذاك ( أي في الصدر الأول ) يفقهون حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم خلف من بعدهم خلف يحتاجون إلى الكتب الطوال التي تشرح غريب حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن هنا كان حرصنا على أن تتضمن الموسوعة بيانا لهذه الألفاظ وشرحا لها مما يغني القارئ عن الرجوع إلى كتب الغريب وشروح الحديث . لقد كانت طموحات الشيخ عبد الرحمن بن ملوح أوسع من الرجوع إلى كتب الغريب وشروح الحديث . لقد كانت طموحات الشيخ عبد الرحمن بن ملوح أوسع من أن تقف عندما أنجزته اللجنتان الأولى والثانية ، فكان يشير علينا بين الحين والآخر لإضافة هذه الصفة أو تلك ، وكان يتضح عقب إنجاز هذه الصفات مدى الفائدة العظيمة والخير العميم من إضافتها ، وكان من ذلك صفات : الإغاثة - الإنذار - الإنصاف - التبليغ - تكريم الإنسان - التوحيد - عيادة المريض - الفضل - كفالة اليتيم - اللين - معرفة اللّه عزّ وجلّ - الكلم الطيب - المسارعة في الخيرات - النظر والتبصر . . . ونحو ذلك من الصفات المأمور بها .

--> ( 1 ) الفائق 3 / 254 ، 255 وجاء فيه : الثلاثة - يعني السّنّ ، والهتّ ، والبعّ - في معنى الصب ، إلا أن السن في سهولة ، والهت في تتابع ، والبع في سعة وكثرة ، وروى بالثاء ، أي قذفها ، من ثع يثع ، إذا قاء . ( 2 ) غريب الحديث للخطابي 1 / 15 . ( 3 ) يشير إلى قول النابغة : « سبق الجواد إذا استولى على الأمد » ، وأبو محمد هو ابن قتيبة . وجاء في اللسان ( أمد ) : أمد الخيل في الرهان : مدافعها في السباق ومنتهى غاياتها التي تسبق إليه . ( 4 ) أسأر : أي أبقي شيئا قليلا . ( 5 ) غريب الحديث الخطابي 1 / 15 - 16 .