صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
532
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وأمّا الشّراب : فنأخذ على ذلك مثالا واحدا وهو اللّبن : فمن أدلّة تكثيره صلّى اللّه عليه وسلّم اللّبن ما أخرجه البخاريّ وغيره عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - ؛ أنّه كان يقول : اللّه الّذي لا إله إلّا هو ، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع ، وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع . ولقد قعدت يوما على طريقهم الّذي يخرجون منه ، فمرّ أبو بكر فسألته عن آية في كتاب اللّه ، ما سألته إلّا ليشبعني . فمرّ ولم يفعل . ثمّ مرّ بي عمر فسألته عن آية في كتاب اللّه ، ما سألته إلّا ليشبعني . فمرّ فلم يفعل ، ثمّ مرّ بي أبو القاسم صلّى اللّه عليه وسلّم فتبسّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ، ثمّ قال : « يا أبا هرّ » قلت : لبّيك رسول اللّه ، قال : « الحق » ومضى . فتبعته فدخل فاستأذن فأذن له ، فدخل فوجد لبنا في قدح فقال : « من أين هذا اللّبن ؟ » قالوا : أهداه لك فلان - أو فلانة - قال : « يا أبا هرّ » قلت : لبّيك يا رسول اللّه ، قال : « الحق إلى أهل الصّفّة فادعهم لي » قال : وأهل الصّفّة أضياف الإسلام ، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد ، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا ، وإذا أتته هديّة أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها ، فساءني ذلك ، فقلت : وما هذا اللّبن في أهل الصّفّة كنت أحقّ أن أصيب من هذا اللّبن شربة أتقوّى بها ، ولم يكن من طاعة اللّه وطاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بدّ فأتيتهم فدعوتهم ، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت . قال : « يا أبا هرّ » قلت : لبّيك يا رسول اللّه ، قال : « خذ فأعطهم » ، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى ، ثمّ يردّ عليّ القدح فأعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى ، ثمّ يردّ القدح ، فأعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى ، ثمّ يردّ عليّ القدح ، فأعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى ، ثمّ يردّ عليّ القدح حتّى انتهيت إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وقد روي القوم كلّهم ، فأخذ القدح فوضعه على يده ، فنظر إليّ فتبسّم فقال : « يا أبا هرّ » ، قلت : لبّيك يا رسول اللّه . قال : « بقيت أنا وأنت » قلت : صدقت يا رسول اللّه ، قال : « اقعد فاشرب » . فقعدت فشربت ، فقال : « اشرب » ، فشربت ، فما زال يقول : « اشرب » ، حتّى قلت : لا والّذي بعثك بالحقّ ، ما أجد له مسلكا . قال : « فأرني » ، فأعطيته القدح ، فحمد اللّه وسمّى وشرب الفضلة « 1 » .
--> ( 1 ) انظر البخاري - لفتح 11 ( 6452 ) .