صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
324
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
الإسلامي ، وبالتالي على الأخطار التي تهدد مصالحها « 1 » . غير أن زعماء قريش كانوا يدركون أن قوة المسلمين قد تنامت كثيرا ، وأن قوتهم الذاتية لم تعد وحدها قادرة على تحقيق الهدف المنشود ، ولذلك فإنهم سعوا إلى عقد محالفات عديدة من أجل تجميع القوى الحاقدة والقادرة على تحقيق ما يأملون . وقد واتتهم الفرصة حينما اتصل بهم زعماء يهود بني النضير الموتورين من مقر إقامتهم الجديد في خيبر ، داعين قريشا إلى حرب المسلمين . وقد وفد منهم إلى مكة سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب من زعماء بني النضير ، فتعاقدوا مع قريش على المشاركة في قتال المسلمين ، بعد أن شهدوا أنّ الشرك خير من الإسلام وقد نزلت في حقهم الآية الكريمة : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا « 2 » ، ثم خرجوا من مكة إلى نجد فحالفوا غطفان على حرب المسلمين ، بعد أن وعدوهم بنصف تمر خيبر « 3 » . أما قريش فقد نجحت في تجميع حلفائها من بني سليم وكنانة وأهل تهامة والأحابيش « 4 » . تحركت قوات « الأحزاب » نحو المدينة ، فنزلت قريش وأحلافها « بمجمع الأسيال » ، بين الجرف وزغابة ، ونزلت غطفان ومعها بنو أسد « بذنب نقمي » إلى جانب أحد « 5 » . وقد بدأ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم باستشارة أصحابه فيما ينبغي عمله لمواجهة الخطر الداهم ، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق شمال المدينة بين حرتي « وأقم والوبرة » ، والاعتماد في الجهات الأخرى من المدينة على حصانتها وعلى ما يحيط بها من الحرّات التي يصعب اختراقها « 6 » . ولم يعترض أحد على الاقتراح الذي كان يهيء حاجزا يمنع الالتحام المباشر مع قوات الأحزاب ، كما يمنعها من اقتحام المدينة « 7 » ، وفي الوقت نفسه يوفر للمسلمين فرصة جيّدة للدفاع ، ولتكبيد الغزاة الكثير من الخسائر البشرية ، وذلك بالتصدي لهم عند محاولة اقتحام الخندق ، وبرشقهم بالسهام من وراء التحصينات . تولى المسلمون مهمة حفر الخندق ، ورغم طوله الذي بلغ خمسة آلاف ذراع ، بعرض تسعة أذرع وعمق سبعة إلى عشرة أذرع ، وبرودة الجو ، وقلة التموين التي تسببت في مجاعة أصابت المدينة « 8 » ، فقد تم إنجاز الحفر بسرعة مذهلة ، لم تتجاوز ستة أيام ، وكان لمشاركة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الفعلية في مراحل العمل المختلفة أثر كبير في الروح
--> ( 1 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 393 ) من رواية موسى بن عقبة دون إسناد . ( 2 ) القرآن الكريم - سورة النساء ، الآية / 51 ، وأورد الطبري آراء العلماء في سبب نزول الآية ، وخلص إلى القول بأن أولى الأقوال بالصحة قول من قال بأن ذلك خبر من اللّه جل ثناؤه عن جماعة من أهل الكتاب من يهود . وجائز أنهم الذين سماهم ابن عباس ، أو أن يكون حييّا وآخر معه إما كعبا وإما غيره ( تفسير الطبري 8 / 469 - 471 ) ، وذكر آخرون أنه كعب بن الأشرف وقد سبقت الإشارة إليه آنفا . ( 3 ) الواقدي - مغازي 2 / 443 ، ابن كثير - التفسير 1 / 513 . ( 4 ) البيهقي - دلائل النبوة 3 / 399 ، ابن حجر - فتح الباري 7 / 393 ، ابن هشام - السيرة 2 / 219 - 220 . ( 5 ) وذكر السيوطي أسماء القبائل النجدية التي شاركت في هذا التجمع وهم غطفان وبنو سليم وبنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة . انظر : الخصائص الكبرى 1 / 565 . ( 6 ) ابن حجر - فتح الباري 7 / 393 ، وانظر : الواقدي - مغازي 2 / 445 بدون إسناد ، ابن هشام - السيرة 2 / 224 . ( 7 ) ابن سعد - الطبقات 2 / 66 - 67 . ( 8 ) ابن سعد - الطبقات 2 / 66 - 67 ، الهيثمي - مجمع الزوائد 6 / 130 ، الطبري - تفسير 21 / 33 ، ابن حجر - فتح الباري 7 / 397 .