صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
293
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
أسره أبو سفيان وهو يعتمر بالبيت العتيق « 1 » . وكان المسلمون يقبلون من بعض الأسرى ما عندهم إذا تعذر دفع ما فرض عليهم من الفداء « 2 » . وأطلق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أسر بعض الأسرى الذين لم يقدروا على دفع شيء « 3 » . أما الأسرى الذين يعرفون القراءة والكتابة ، ولم يكن لدى أهليهم أو لديهم مقدرة على الفداء ، فقد جعل فداؤهم أن يعلموا أبناء الأنصار القراءة والكتابة ، وقد وردت رواية صحيحة الإسناد عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : « كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء ، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة . . . » « 4 » . وفي طريق عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقتل اثنين من الأسرى وهما النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط اللذين كانا من أئمة الكفر ، يؤذيان المسلمين بمكة ويشتدان في عداوتهما للّه ولرسوله ، وكان في قتلهما درسا بليغا للطغاة ونهاية حاسمة للجبروت « 5 » . أما بقية الأسرى فقد استوصى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بهم خيرا « 6 » . وقد أسلم عدد منهم على فترات قبل فتح مكة وبعد ذلك « 7 » . أرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم زيد بن حارثة وعبد اللّه بن رواحة إلى المدينة ليزفا بشرى النصر ، وقد تلقى المسلمون الخبر بسرور بالغ ، وقد ذكر أسامة بن زيد أنه لم يصدق الخبر إلى أن رأى الأسرى مقرنين « 8 » ، وكانت الدهشة تعلو الوجوه إذ لم يصدق الناس في بادىء الأمر أن قريشا قد هزمت ، وأن زعماءها قد أصبحوا بين قتيل وأسير ، وأن كبرياءها قد تحطمت ، وظهرت حقيقة آلهتها الزائفة وعقائدها الباطلة . لقد كانت معركة بدر من المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام وقد عرفت في القرآن الكريم بيوم الفرقان لأنها فرّقت بين الحق والباطل ، وكان لها أثرها الكبير في إعلاء شأن الإسلام ، وانتصار العقيدة السمحاء . ولقد أوضحت الأحاديث النبوية الشريفة مبلغ فضل البدريين وعلو مقامهم . كما كانت أصداء انتصار المسلمين شديدة على أعداء الإسلام من يهود ومشركين ، ولم تكد قريش تصدق ما حدث ، وحين تأكدت لديها الأخبار ، فإنها أقدمت على اتخاذ بعض الإجراءات التي تؤكد عجزها وإسقاط ما في يدها ، فقد أمر زعماء مكة بالامتناع عن إقامة العزاء
--> ( 1 ) ابن هشام - السيرة 1 / 357 - 358 . ( 2 ) أحمد - الفتح الرباني 14 / 100 ، ابن هشام - السيرة 1 / 359 . ( 3 ) ابن هشام - السيرة 1 / 368 - 9 . ( 4 ) أحمد - المسند 4 / 47 ( حديث 2216 ) وإسناده صحيح . ( 5 ) الهيثمي - مجمع الزوائد 6 / 89 ، السهيلي - الروض الآنف 3 / 53 ، وانظر : الطبراني - الكبير 11 / 406 ( حديث 12154 ) ، وأورد ابن هشام في السيرة 2 / 327 أن الآية ( 27 ) من سورة الفرقان قد نزلت في عقبة بن أبي معيط هذا ، وأخرج ذلك الطبري في تفسيره ( 19 / 6 ) عن طريق عبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنهما - ، وانظر : ابن كثير - التفسير 6 / 116 وقال : « وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط أو في غيره ، فإنها عامة في كل ظالم » . ( 6 ) الهيثمي - مجمع الزوائد 6 / 86 ، ونقل عن الطبراني في الكبير والصغير ، وقال إسناده حسن . وانظر : ابن هشام - السيرة 2 / 349 - 50 . ( 7 ) السهيلي - الروض الآنف 3 / 125 ، ابن الأثير - عيون الأثر 1 / 387 . ( 8 ) ابن كثير - البداية والنهاية 3 / 304 بإسناد صحيح .