صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

290

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه صبيحة يوم المعركة أنه : « لا يتقدّمنّ أحد منكم إلى شيء حتّى أكون أنا دونه » « 1 » ، فدنا المشركون فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض » « 2 » . تقابل الجيشان ودنا بعضهم من بعض ، وأخذ أبو جهل يدعو على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « اللهم أيّنا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة » فكان ذلك استفتاحه الذي أشارت إليه الآية الكريمة : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ « 3 » . وبدأ القتال بمبارزات فردية ، فقد خرج عتبة بن ربيعة وولداه الوليد وشيبة طالبين المبارزة ، ورفضوا مبارزة بعض شباب الأنصار الذين انتدبوا لقتالهم ، فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عمه حمزة بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبيدة ابن الحارث فبارزوهم وقتلوهم . وفي هؤلاء الستة نزل قوله تعالى : هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ « 4 » . مما كان له آثاره على الطرفين المتحاربين . وبدأت قريش بالهجوم . وكانت توجيهات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم . ولا تسلّوا السّيوف حتّى يغشوكم » « 5 » . وحرضهم صلّى اللّه عليه وسلّم على القتال قائلا : « والّذي نفس محمّد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا غير مدبر إلّا أدخله اللّه الجنّة » « 6 » . وقد ثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد رمى الحصا في وجوه المشركين وذلك صريح في مشاركته الشخصية في المعركة راجلا في مقدمة المسلمين . ويشير القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « 7 » . والتقى الجمعان ، وكان المسلمون يقاتلونهم وهم يؤملون إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة ، وكان شعارهم التوحيد « أحد أحد » ، فشدوا على المشركين واستهدفوا زعماءهم ، فقتلوا فرعون الأمة أبا جهل عمرو بن

--> ( 1 ) مسلم - الصحيح 3 / 1510 ( حديث 1901 ) . ( 2 ) المنذري - مختصر صحيح مسلم 2 / 70 ( حديث 1157 ) . ( 3 ) القرآن الكريم - الأنفال ، الآية / 19 ، وانظر : الطبري - التفسير 13 / 454 ، والحاكم - المستدرك 2 / 328 . ( 4 ) القرآن الكريم - سورة الحج ، الآيات / 19 - 24 ، وانظر : البخاري - الصحيح ( فتح الباري - الأحاديث : 3966 - 3969 ) . ( 5 ) أبو داود - السنن 4 / 49 . ( 6 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 306 الحديث 3985 ) . ( 7 ) القرآن الكريم - سورة الأنفال ، الآية / 17 ، وانظر : الهيثمي - مجمع الزوائد 6 / 84 ، قال : ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ، وانظر : ابن هشام - السيرة 1 / 323 .