صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
288
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وأحوال الفئة المؤمنة عموما في قوله تعالى : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ * يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ « 1 » . وقد أجمع قادة المهاجرين على تأييد فكرة التقدم لملاقاة العدو « 2 » . وبعد ذلك عاد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « أشيروا عليّ أيّها النّاس » وكان إنما يقصد الأنصار ، لأنهم غالبية جنده ، ولأن بيعة العقبة الثانية لم تكن في ظاهرها ملزمة لهم بحماية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم خارج المدينة . وقد أدرك الصحابي سعد بن معاذ ، وهو حامل لواء الأنصار ، مقصد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك فنهض قائلا : « واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه ؟ » قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أجل » ، قال : « لقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول اللّه لما أردت ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلّف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا ، إنا لصبر في الحرب ، صدق عند اللقاء ، ولعل اللّه يريك منا ما تقرّ به عينك ، فسر على بركة اللّه » « 3 » . سرّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من مقالة سعد بن معاذ ، ونشّطه ذلك ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « سيروا وأبشروا ، فإنّ اللّه تعالى قد وعدني إحدى الطّائفتين . واللّه لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم » « 4 » . نظّم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جنده ، بعد أن رأى طاعة الصحابة وشجاعتهم واجتماعهم على القتال ، وعقد اللواء الأبيض وسلمه إلى مصعب بن عمير ، وأعطى رايتين سوداوين إلى سعد بن معاذ ، وعلي بن أبي طالب ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة « 5 » . وحصل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على معلومات كثيرة عن موقع الجيش المكي ، ومن به من الأشراف ، واستنتج عدد أفراده من معرفته لعدد ما ينحر لهم يوميّا من الجمال وتوجّه صلّى اللّه عليه وسلّم لقومه قائلا : « هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها » « 6 » . وقد ظهر الخلاف بين زعماء قريش ، فقد حاول عتبة بن ربيعة أن يثني قومه عن القتال محذرا من مغبته وخاصة أن بين الفريقين أرحام موصولة ، غير أن أبا جهل خطّل رأيه واتهمه بالجبن « 7 » . أنزل اللّه تعالى في ليلة بدر على المؤمنين نعاسا أمنهم وأراحهم ، ومطرا طهرهم به ، وأذهب عنهم رجس الشيطان وربط على قلوبهم وثبّت به أقدامهم ، قال تعالى : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ
--> ( 1 ) القرآن الكريم - سورة الأنفال ، الآيات / 5 - 8 . ( 2 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري - حديث 3952 ) ، أحمد - المسند 5 / 259 ، ابن هشام - السيرة 2 / 305 . ( 3 ) مسلم - الصحيح 3 / 1404 ( حديث 1779 ) ، ابن كثير - البدآية 3 / 351 . ( 4 ) ابن كثير - البدآية 3 / 262 - 3 بإسناد صحيح ، وذكر الحافظ ابن كثير أن له شواهد في وجوه كثيرة إذ رواه البخاري والنسائي والإمام أحمد ( فتح الباري - 7 / 287 ) ، وأحمد - المسند 5 / 259 ( حديث 3698 ) . ( 5 ) ابن القيم - زاد المعاد 2 / 85 . ( 6 ) مسلم - الصحيح 3 / 1404 ، كما ورد في السيرة النبوية لابن هشام بروآية ابن إسحاق . ( 7 ) أحمد - الفتح الرباني 21 / 43 ، الهيثمي - مجمع الزوائد 6 / 76 ، ابن كثير - البدآية 3 / 295 - 6 .