صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
278
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
واهتمت حكومة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالقضاء الذي يهدف إلى تحقيق العدل والإنصاف بين المتخاصمين . وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ « 1 » . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقضي بنفسه بين الناس في المدينة فهو أول القضاة في الإسلام . وقد أمره اللّه تعالى بذلك فقال : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ « 2 » . وقال تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً « 3 » . ولما انتشر الإسلام خارج المدينة عين الولاة على المدن من أهل الفقه ليقضوا بين الناس في خصوماتهم إلى جانب إدارة المدينة أو الإقليم . وقد قال علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - : « بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اليمن قاضيا » « 4 » ، كما « أرسل معاذا إلى اليمن قاضيا وقال له : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ » قال : أقضي بكتاب اللّه . قال : « فإن لم تجد في كتاب اللّه ؟ قال : فبسنة رسول اللّه . قال : « فإن لم تجد في سنّة رسول اللّه ولا في كتاب اللّه ؟ » قال : أجتهد برأيي ولا آلوا . فضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صدره وقال : « الحمد للّه الّذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه » « 5 » . ومن آداب مجلس القضاء في عصر السيرة جلوس الخصمين بين يدي القاضي « 6 » . ومنها أن لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان « 7 » . وأن يحتج القاضي بإقرار المتهم ، وهو شهادة الإنسان على نفسه ، فقد قبل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إقرار ما عز والغامدية بالزنا « 8 » . ويعمل بشهادة الشهود العدول ، ولا يعذر الشاهد إذا امتنع عن الإدلاء بشهادته وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا « 9 » ، وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ « 10 » . وقد شدّد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على شهادة الزور « 11 » . وقضى : « البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر » الذي ورد في ثنايا حديث شريف « 12 » . ولم تكن في المدينة خلال عصر السيرة ، قوى أمن أو شرطة تفرض النظام وتحقق الأمن ، لذلك نصت الوثيقة على أن هذه المهمة يقوم بها جميع المؤمنين ، فهم يسعون للضرب على أيدي الجناة ، ولا يساعدونهم في الهرب من العدالة « ولو كان ولد أحدهم » . وقد نجحت هذه الخطة ، وبعد أن كان الثأر هو القاعدة لتسوية الحسابات قبل الإسلام ، فإنه صار حالة استثنائية نادرة ، ولم يسجل التاريخ إلّا بضع حالات جرت في ظروف خاصة
--> ( 1 ) القرآن الكريم - سورة النساء ، الآية / 58 . ( 2 ) القرآن الكريم - سورة المائدة ، الآية / 48 . ( 3 ) القرآن الكريم - سورة النساء ، الآية / 65 . ( 4 ) الماوردي - أدب القاضي 2 / 254 - 258 . ( 5 ) أحمد - المسند 5 / 236 ، 242 . ( 6 ) أبو داود - السنن ( عون المعبود 9 / 498 - 9 ) . ( 7 ) البخاري - الصحيح - كتاب الأحكام 13 ، أحمد - المسند 5 / 52 ، 181 . ( 8 ) مسلم - الصحيح - كتاب الحدود ص / 22 - 23 ، الدارمي - السنن - الحدود ص / 17 ، ابن ماجة - السنن ، حدود ص / 24 . والبخاري في مواضع . ( 9 ) القرآن الكريم - سورة البقرة ، الآية / 282 . ( 10 ) القرآن الكريم - سورة الطلاق ، الآية / 2 . ( 11 ) البخاري - الصحيح ، الاستتابة / 1 ، الديات / 2 ، الحيل / 11 ، مسلم - الصحيح ، كتاب الإيمان ص / 143 - 144 . ( 12 ) البخاري - الصحيح ، كتاب الرهن ص 6 .