صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
264
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وبعد الفراغ من بناء المسجد النبوي بنيت بيوت أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على شاكلة بناء المسجد « 1 » . وكانت إلى جنب المسجد قصيرة البناء متقاربة « 2 » . ولم يكن في المسجد النبوي حين بني منبر يخطب الناس عليه ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخطب وهو مستند إلى جذع عند مصلّاه ، ثم اتخذ له كرسيا بدرجتين « 3 » . وواجه المسلمون المهاجرون من مكة الكثير من المصاعب الصحية الناجمة عن اختلاف المناخ ، ذلك أنهم لم يكونوا قد اعتادوا على البرودة القاسية ، والرطوبة العالية وقد تفشت بينهم الحمى ، وينقل البخاري مرويات عن بعض كبار الصحابة من المهاجرين الذين أصابهم المرض ، وكان أبو بكر الصديق ممن أصيب بالحمى « 4 » . ويذكر عنه أنه إذا أخذته الحمى كان يقول : كل امريء مصبّح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله وكان بعض الصحابة يظهرون السأم من الإقامة في المدينة بسبب ذلك ويشتاقون إلى العودة إلى مكة ، وذلك ما كان يشعر به بلال الحبشي - رضي اللّه عنه - فكان إذا ما انتهت دورة الحمى التي كانت تأخذه ينشد « 5 » . ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنّة * وهل يبدون لي شامة وطفيل وحين علم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك من أم المؤمنين عائشة - رضي اللّه عنها - قال : « اللّهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكّة أو أشدّ ، وصحّحها ، وبارك لنا في صاعها ومدّها ، وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة » « 6 » . وقال أيضا : « اللّهمّ أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردّهم على أعقابهم » « 7 » . لقد صارت الهجرة فرضا واجبا على كل مسلم في تلك المرحلة من أجل نصرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ودعوته ومواساته بالنفس ، وتعزيز وتقوية معسكر الإيمان ، والابتعاد عن الفتنة من الكافرين ، ولقد استمر الحث على الهجرة وبيان فضل المهاجرين بنزول الآيات القرآنية ، واستمر معها تدفق المهاجرين من كل مكان . وتتابعت الآيات بالأمر
--> ( 1 ) ابن حجر - فتح الباري 3 / 112 - 114 ، ابن كثير - البداية 3 / 222 ، ابن سعد - الطبقات 1 / 240 . ( 2 ) أحمد - الفتح الرباني 21 / 6 - 7 ، ابن كثير - البداية 3 / 241 - 2 وقد بنيت في بداية الأمر حجرتان إحداهما لأم المؤمنين سودة بنت زمعة ، والأخرى لأم المؤمنين عائشة بنت الصديق وهما أول بيتين بنيا ، ونقل البخاري عن الحسن البصري قوله أنه دخل حجرات نساء النبي في خلافة عثمان وأنه كان يتناول سقفها بيده ، ابن كثير - البداية والنهاية 3 / 241 ، الشامي - سبل الهدى 3 / 508 . ( 3 ) أورد البخاري في صحيحه ( فتح الباري : ح 3584 ، 3585 ) خبرا عن حنين الجذع ، ونقله ابن كثير - البداية 3 / 239 - 240 ، وأورد البيهقي في دلائل النبوة 2 / 559 تعقيب الحسن البصري على ذلك بعد ذكره الحديث عن أنس - رضي اللّه عنه - . ( 4 ) يظهر من وصف المصادر لحالة المرض ، والدورات التي تنتابهم فيها الحمى أنها - على الأرجح مرض الملاريا . ( 5 ) نقل البخاري في الصحيح « عن - بلال رضي اللّه عنه - اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء . . . » ( الفتح الحديث 1889 ) . ( 6 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 262 ) . ( 7 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 269 ) .