صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
238
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
أراد أبو بكر الصديق - رضي اللّه عنه - الالتحاق بالمهاجرين إلى الحبشة في هذه الهجرة الأولى بعد أن اشتد أذى قريش عليه ، ويظهر أنه سلك طريقا آخر ، إذ تشير الأخبار بأنه سار في طريق اليمن حتى إذا ما بلغ برك الغماد - وهو موضع على خمس ليال من مكة لقيه ابن الدّغنة - وهو سيد قبائل القارة حلفاء بني زهرة القرشية - فقال له أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي . فقال له ابن الدّغنة : إن مثلك لا يخرج ولا يخرج ، فإنك تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق . فأجاره وأعاده معه إلى مكة حيث أعلن لقريش أنه في جواره ، فوافقت قريش على ذلك واشترطت عليه أن تكون عبادته في داره وأن لا يستعلن « 1 » . وبعد مدة أخذ أبو بكر يجتهد بالقراءة في فناء داره « وكان رجلا بكّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن » فيجتمع إليه أبناء ونساء المشركين يعجبون وينظرون إليه ويستمعون القرآن مما أفزع قريشا ودفعها إلى مطالبة ابن الدّغنة بأن يكفّه عن ذلك ، فخيّره ابن الدّغنة بين الإسرار بعبادته ، أو أن يردّ عليه جواره ، فرد أبو بكر عليه جواره وقال : « إني أردّ عليك جوارك وأرضى بجوار اللّه » « 2 » وهكذا بقي أبو بكر بمكة إلى جوار الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم ، مستجيرا باللّه سبحانه وتعالى يحتمل أذى مشركي قريش ، بعد أن كان الرسول قد أذن له بالهجرة إلى الحبشة « 3 » . قصة الغرانيق الباطلة والهجرة الثانية إلى الحبشة : وبعد هجرة الحبشة الأولى بفترة قليلة ، حدث أن صلّى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المسجد الحرام ، فقرأ سورة النجم وسجد في موضع السجود فسجد معه كل من كان يسمعه من المسلمين والمشركين « 4 » . وشاع أن قريشا قد أسلمت ، وبلغ المسلمين وهم بأرض الحبشة « أن أهل مكة أسلموا فرجع ناس منهم عثمان بن مظعون إلى مكة فلم يجدوا ما أخبروا به صحيحا فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة ، وهي الهجرة الثانية ، وقد ذكرت إحدى الروايات الصحيحة أنهم « كانوا اثنين وثمانين رجلا سوى نسائهم وأبنائهم . . . وقيل إن عدة نسائهم كانت ثماني عشرة امرأة » « 5 » . ولا شك في أن دوافع الهجرة الثانية قد شملت اشتداد البلاء وتعاظم الفتنة والتعذيب الدائم للمستضعفين من المسلمين ، والعدوان المستمر على أصحاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم « 6 » . وقد ذهبت روايات مرسلة صحيحة السند « 7 » إلى أن الشيطان كان قد ألقى على لسان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في قراءته لسورة النجم في صلاته تلك في الحرم عبارة « تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهنّ لترتجى » ، وذهبت روايات مرسلة أخرى ضعيفة الأسانيد إلى أن هذه العبارة قد قالها الشيطان ، وسمعها المشركون دون المسلمين ، فسجد
--> ( 1 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 4 / 475 - 476 ) . ( 2 ) المرجع السابق 4 / 475 - 476 . ( 3 ) ابن هشام - السيرة النبوية 2 / 372 - 374 بإسناد حسن . ( 4 ) صحيح البخاري ( فتح الباري 2 / 551 ، 553 ، 557 ، 560 ، 8 / 614 ) ، مسلم - الصحيح 1 / 405 . ( 5 ) البخاري - صحيح ( فتح الباري 7 / 189 ) . ( 6 ) ابن إسحاق - السير والمغازي ص / 213 . ( 7 ) ورد في أسانيدها سعيد بن جبير ، وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا العالية .