صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
229
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
لجوء قريش إلى المفاوضات : حاولت قريش من خلال أسلوب المساومة الذي اكتسبته وأتقنته من خلال خبرتها الطويلة في التجارة ، أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق ، وذلك بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه ، ويترك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعض ما هو عليه . قال تعالى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ « 1 » . وعندما قالوا له اعبد آلهتنا يوما ونعبد إلهك يوما ، أنزل اللّه تعالى سورة الكافرون : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ * لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ * وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ « 2 » وحسم بذلك هذه المساومة الهزلية . وكانوا قد ساوموا عمه فيه ، حين اقترحوا عليه بأن يعطوه عمارة بن الوليد بن المغيرة بدلا عن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيأخذوه ويقتلوه « 3 » . وعندما اشتكى أبو طالب مرض موته ، وبلغ قريشا ثقله ، قال بعضهم لبعض : إن حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها . فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا فإنا واللّه ما نأمن أن يبتزونا أمرنا . وعندما جاء وفدهم إلى أبي طالب ، قال لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا بن أخي هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك » . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « نعم كلمة واحدة يعطونيها يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم » . وفي رواية : « تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية » . ففزعوا لكلمته ولقوله . فقال القوم : كلمة واحدة ؟ قال : نعم . فقال أبو جهل : نعم وأبيك عشر كلمات . قال : « تقولون لا إله إلّا اللّه وتخلعون ما تعبدون من دونه » . فصفقوا بأيديهم ثم قالوا : يا محمد تريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا ؟ إن أمرك لعجب . ثم قال بعضهم لبعض : ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دينكم حتى يحكم اللّه بينكم وبينه . ثم تفرقوا ، فأنزل اللّه فيهم أول سورة « ص » ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ * وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ * أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ * ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ * أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ * أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ « 4 » .
--> ( 1 ) القرآن الكريم - سورة القلم ، الآية / 9 . ( 2 ) القرآن الكريم - سورة الكافرون ، الآيات / 1 - 6 . ( 3 ) ابن هشام - السيرة ( 1 / 330 ) من رواية ابن إسحاق بدون إسناد . ( 4 ) القرآن الكريم - سورة ص ، الآيات / 1 - 10 .