صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

205

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

نزول الوحي والبعثة النبوية : بدأ نزول الوحي على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعمره أربعون سنة « 1 » . وقصة بدء نزول الوحي على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثابتة بنص الصحيحين من حديث عروة بن الزبير ، فعن عائشة أم المؤمنين - رضي اللّه عنها - أنها قالت : « كان أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد ، قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ . قال : ما أنا بقاريء . قال فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . قلت : ما أنا بقاريء . فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقاريء فأخذني فغطّني الثالثة ، ثم أرسلني فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ « 2 » . فرجع بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد - رضي اللّه عنها - فقال : زمّلوني زمّلوني . فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع ، ثم قال لخديجة : أي خديجة مالي لقد خشيت على نفسي ، وأخبرها الخبر . فقالت خديجة : « كلّا ، أبشر فواللّه لا يخزيك اللّه أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق » . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى - وهو ابن عم خديجة أخي أبيها - وكان امرءا تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء اللّه أن يكتب . وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة : يا عم اسمع من ابن أخيك . فقال له ورقة : يا بن أخي ما ذا ترى ؟ فأخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خبر ما رأى . فقال له ورقة : هذا الناموس الذي أنزله اللّه على موسى ، يا ليتني فيها جذع ، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أو مخرجيّ هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا « 3 » . ثم لم ينشب ورقة أن توفّي ، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أو في بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال : يا محمد : إنك رسول اللّه حقّا ، فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي ، غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ، فقال له مثل ذلك » « 4 » . لقد كان بدء نزول الوحي على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ونزول صدر سورة « اقرأ » نقطة تحول في تاريخ البشرية ، نقلتها من طريق الاعوجاج والظلام إلى طريق الهدى والنور ، طريق اللّه المستقيم المؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة .

--> ( 1 ) البخاري ( فتح الباري ) ج 6 / 564 ، 7 / 162 ، 227 ، 10 / 356 ( كتاب المناقب ) ، مسلم - الصحيح ( شرح النووي ) 4 / 1824 ، 1827 ، ابن هشام - السيرة 1 / 251 - 252 . ( 2 ) سورة العلق / 1 - 5 . ( 3 ) البخاري ( فتح الباري ) 1 / 30 - 31 ، كتاب بدء الوحي ( حديث رقم 3 ) ، 8 / 585 - 6 كتاب التفسير ( حديث رقم 4953 ) ، مسلم - الصحيح ( شرح النووي ) 2 / 197 - 204 . ( 4 ) البخاري - الصحيح 8 / 67 ، ( فتح الباري 1 / 22 ، 8 / 715 ، 722 ، 12 / 351 - 2 ) ، مسلم - الصحيح 1 / 139 .