صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
189
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
لم يكن أغنى رجال مكة ولا هو زعيمها الوحيد ، غير أن صلته المباشرة بشؤون البيت العتيق ، وقيامه بخدمة حجاج البيت جعلته من أبرز زعماء مكة ، فكان هو الذي فاوض أبرهة حين قدم بالأحباش غازيا لمكة بقصد هدم الكعبة : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ « 1 » . ومع ظهور الإسلام ، وبدء نزول الوحي ، وقبيل اشتداد مقاومة قريش للدعوة الإسلامية ، تولى أبو طالب بن عبد المطلب الرفادة والسقاية بعد وفاة والده ، ولم يكن موسرا لينفق من ماله ، فاضطر إلى الاقتراض من أخيه العباس ابن عبد المطلب مبلغا كبيرا من المال أنفقه على الحجيج ، ولما عجز عن إيفاء القرض تنازل عن السقاية والرفادة إلى أخيه العباس مقابل ذلك . نتبيّن مما تقدّم بأن عشيرة النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كانت تتبوأ مكانة متميّزة في مكة عند ظهور الإسلام ، رغم أنهم لم يكونوا من أهل الثراء الواسع ، ولعلهم كانوا وسطا في ذلك ، ودون أوساط تجار مكة الآخرين . في حين كان الثراء قبيل الإسلام في بني عبد شمس وبني نوفل وبني مخزوم ، وقد نازعتهم العشائر القرشية الأخرى السيادة على مكة ، وكان هذا النزاع قد بدأ بين أبناء قصي وأدى إلى انقسامهم إلى محورين هما : « المطيّبون » : وهم بنو عبد مناف ومن حالفهم من بني أسد بن عبد العزى وبني زهرة وبني تيم وبني الحارث بن فهر . أما المحور الثاني فهم « الأحلاف » وهو تجمّع يضم بني عبد الدار ومن حالفهم من بني سهم وجمح ومخزوم وعدي . وحصلت منافرات ومنازعات بين زعماء الأسر الكبيرة أحيانا ، مثال ذلك ما حصل بين أميّة بن عبد شمس وعمه عبد المطلب بن هاشم . لقد بيّن اللّه سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أن العرب المشركين في جاهليتهم كانوا يعبدون آلهة مزعومة لتقربهم من اللّه وتشفع لهم عنده ، قال تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ « 2 » . ولقد اتصلت فيهم هذه الوثنية مع شعائرها وعاداتها واعتقاداتها فترة طويلة ، وهم يتشفعون بالأصنام والأوثان : أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى « 3 » . ولقد ترسخت لديهم الوثنية بمرور الزمان لما كانوا عليه من إجلال أسلافهم وتعظيمهم : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ « 4 » . وهكذا فقد أعماهم التقليد عن نقد تراثهم العقدي وتحكيم العقل ، واستتبع الانحراف في العقيدة انحرافا في العبادة والسلوك والشعائر والشرائع . وهكذا جرى تحريف الحنيفية الإبراهيمية ، فدخلت الوثنية مناسك الحج ، ووضعوا الأصنام حول الكعبة ، وجرى الطواف بها مع التعري من الثياب أحيانا « الحمس » . وأصبحت قريش في
--> ( 1 ) القرآن الكريم ، سورة الفيل ، الآية / 1 . ( 2 ) القرآن الكريم ، سورة يونس ، الآية / 18 . ( 3 ) القرآن الكريم - سورة الأنعام ، الآية / 19 . ( 4 ) القرآن الكريم - سورة الزخرف ، الآية / 23 .