صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
151
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وكما نلاحظ فإن الرسول يحرص كل الحرص على ترجمة الإيمان إلى سلوك ، وكلا الأمرين النهي والأمر لا بد أن يترجما إلى سلوك ، وهو حرص الوفد نفسه على أن يدله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على عمل يدخلهم الجنة ، ثم أمر آخر نلاحظه في الحديث ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( احفظوه ، وأخبروه من وراءكم ) حفظ ووعي وفهم وتطبيق ثم تبليغ . إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يحرص على أن يعلم الناس ، وأن ينشر العلم ، لأنه أساس التربية العملية ، يقول في خطبة بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه : « إن مكة حرمها اللّه ، ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لا مرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخّص لقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها ، فقولوا : إن اللّه قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلغ الشاهد الغائب » « 1 » . وعن أبي موسى - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم ، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكان منها نقية ، قبلت الماء ، فأنبتت الكلأ والعشب وزرعوا ، وأصابت منها طائفة أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به » « 2 » . هذه شواهد متعددة تبين أن العبرة في العلم التطبيق والعمل ، لا مجرد المعرفة ، ومن هنا كانت عنايته صلّى اللّه عليه وسلّم بالتربية العملية ، لأنها أكثر فعالية في تطبيق الأخلاق ورعايتها . وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يغتنم فرصة التصرفات العملية التي تقتضي توجيها تربويا أو عمليا ليأخذ منه المسلمون درسا إيجابيا ، فكان يدعو إلى قيمة أو يصحح سلوكا ، أو ينفي هذا السلوك الخاطيء وهي طريقة فعالة لأنها ترتبط بالوقائع المشاهدة وتتصل بما يعيشه الناس ، ولذا ترسخ في الذهن ، وتثبت في القلوب ، وبهذا ترتبط القيم بواقع الحياة ، وهذا يعني أن غرس القيم لا يقتصر على مجرد التعلم والحفظ والتسميع ، وإنما يعتمد على واقع الحياة والخبرة المعيشية وبالتالي يكون تأثيرها قويا ، لأنها « تثير الانتباه الذي يجمع الفاعلية النفسية حول ظاهرة ما ، عن طريق الحس إن كانت هذه الظاهرة خارجية ، وعن طريق التأمل إن كانت داخلية » « 3 » . والحديث الشريف مليء بالأمثلة من ذلك النوع ، من ذلك : - ما يروى عن أبي ذر - رضي اللّه عنه - قال : كان بيني وبين رجل كلام ، وكانت أمه أعجمية ، فنلت منها فذكرني إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : « أساببت فلانا » قلت : نعم ، قال : « أفنلت من أمه ؟ » قلت : نعم ، قال : « إنك امرؤ
--> ( 1 ) المرجع السابق ، كتاب العلم ، ص 51 ، حديث رقم 104 . ( 2 ) الإمام البخاري ، صحيح البخاري ، مرجع سابق ، كتاب العلم ، ص 42 ، حديث رقم 79 . ( 3 ) التهامي نفرة ، سيكولوجيية القصة في القرآن ، الجزائر ، جامعة الجزائر ، الشركة التونسية للتوزيع ، 1971 م ، ص 572 .