صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

113

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وهذا كله يشير إلى أن الندم لا ينشئ جزاء ثوابيّا ، ولا جزاء إصلاحيّا . ولذا فإن الجزاء الخلقي الصحيح هو ذلك الشعور الذي يعيد تثبيت القانون المنتهك وهو ( التوبة ) ، والندم هو مقدمة التوبة وإعداد لها . وهو محاولة لتجميع قوى النفس ورأب لصدعها ، وتجد في حرارة الندم المؤلمة وسيلتها لتلتئم وتقوى ، وتعاود حمل الأمانة من جديد بمزيد من الطاقة والحماس وقد يثير الندم التوبة ، وقد لا يثيرها على وجه الإطلاق ، أي أنه لا يستتبعها كنتيجة مبدئية « 1 » . وعلى هذا فالتوبة هي الجزاء الخلقي ، يفرض تدخل الجهد من أجل الإصلاح ، إنها واجب يفرضه الشرع على أثر تقصير في أداء الواجب ، وهناك الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك « 2 » . لكون التوبة كذلك ، فإنها في ذاتها ندم على ما سلف ، وإقلاع عنه في الحال ، وعزم على عدم المعاودة في المستقبل « 3 » . إن التوبة لا يمكن أن تؤدي وظيفتها الإصلاحية في الأخلاق الإسلامية إذا اقتصرت على الأسف على ما اقترفناه من شر والعزم على عدم المعاودة ولكنها موقف أكثر تعقيدا ، موقف ينظر للماضي والحاضر والمستقبل ، ويتجلى في الأفعال لا في اتخاذ خط سلوكي جديد فقط ، بل أيضا في إعادة تجديد البناء الذي تهدم بصورة منهجية ، وقد أوضح القرآن مجموع الشروط الموضوعية الضرورية ليصبح للتوبة عائدها الحقيقي هو الغفران . - إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ « 4 » . فليس المهم التوبة فقط ، وإنما الإصلاح ، إصلاح ما نقص أو فسد أو أفسده الإنسان وهذا الإصلاح يتمثل في أمور عدة : - إما في عمل ناقص ، ويجب أن يعاد ، ويؤدى بطريقة مناسبة آجلا أو عاجلا . وإما في إصلاح شر بتعويض آثاره من سلبيات إلى تقليل آثاره السلبية بأداء أفعال ذات طبيعة مناقضة للفعل الأول : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ « 5 » . وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها « 6 » .

--> ( 1 ) محمد عبد اللّه دراز : دستور الأخلاق في القرآن ، مرجع سابق ص 248 - 502 ( بتصرف ) . ( 2 ) راجع : صفة التوبة من صفات الموسوعة . ( 3 ) راجع ابن القيم : مدارج السالكين لابن القيم ، ج 1 ، ص 202 ، 203 . ( 4 ) البقرة : 160 ، الأنعام : 54 ، والنحل 119 . ( 5 ) هود : 114 . ( 6 ) التوبة : 102 - 103 .