صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

97

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

جلية محددة الاتجاه والمصير ، فالإنسان ليس في نهاية حياته سوى عمله الذي اختاره ونفذه ومات عليه » « 1 » . وبالإرادة القوية الصحيحة التي تتكون لدى الإنسان عن طريق العلم الصحيح والتربية السليمة المعتمدة على أن الإنسان مفكر ذكي ذو قدرات واستعدادات تساعده على الاختيار السليم يكون الاختيار السليم ، ولعل هذا بعض مما يوحى به الحديث الشريف : « اعملوا فكلّ ميسّر » « 2 » . 6 - والإنسان لا يعيش وحده بل في مجتمع ، أي في علاقة ، وهذا النوع من العلاقة لا يمكن أن يوجد إلا في وسط مجتمع له غايته الخاصة ، وتأتى معطيات الإسلام مقررة أن الإنسان ليس فردا فردية مطلقة ، ولا هو ذائب في الجماعة ، بل هو يشكل جزءا من كل أكبر ، وهذه الجماعة منسّقة لغايات أسمى ، فالإسلام لا يضخم الفرد ، ولا يضخم الجماعة ، إذ هو يعطى الفرد ذاتيته المسئولة بحيث يصبح في النهاية فردا في مجموع ، ويعطى المجتمع كيانا ووجودا في ضمير الأفراد ، فهو يغذى في الفرد النزعة الفردية بحيث يشعر بذاتيته واستقلاله ويبين للإنسان دوره في المجموع ، لأن الإنسان لا يمكن أن يعيش بمعزل عن المجتمع . والدور الاجتماعي للفرد مطلوب ، وفي الوقت نفسه يقرر الإسلام ضمانات معينة ليسير المجتمع على أساسها ، وليوفر الجو المستقر الذي يستطيع الفرد فيه استغلال قدراته كقوة متميزة متفردة ، مسؤولا عن أعماله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً « 3 » . وفي إطار هذه المسؤولية الاجتماعية التي ترتب على الإنسان واجبات عديدة نحو مجتمعه وأسرته ، بل ذاته ، فإن له أيضا حقوقا لابد أن ينالها مثل حقه في الحياة والتملك ، كل ذلك أي تلك الحقوق وما يقابلها من الواجبات يتم من خلال التوجه إلى مرضاة اللّه تعالى ، وبهذا فقط ينشرح صدر الإنسان وتطمئن نفسه ، ويتجاوب مع أهله وأصدقائه مشاركا لهم في أفراحهم ، ومعينا لهم في وقت الشدة ، ويتلقى منهم ما يسر خاطره ، وقد جعل الإسلام هذه المشاعر النبيلة وتلك المشاركة الوجدانية الحقة ضمن عناصر الإيمان ، يقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » « 4 » . ويعنى الإسلام كذلك بتقوية الروح الاجتماعية في الإنسان ، ومحاربة القبلية والعائلية والانعزالية في نفسه لأنه مهما اتصف الفرد بأكمل الصفات وأتمها ، فلن يتم كماله إلا إذا ملأت الروح الاجتماعية قلبه ووجهت عمله ، وأيقظت ضميره ، وكانت المسيطرة عليه في كل تصرفاته « 5 » .

--> ( 1 ) فاروق الدسوقي : القضاء والقدر في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 180 . ( 2 ) صحيح البخاري ، مرجع سابق ج 3 ، ص 154 . ( 3 ) مريم : 93 - 95 . ( 4 ) البخاري - الفتح ( 13 ) ، ومسلم ( 45 ) ، وانظر أيضا الأحاديث 63 ، 65 ، 67 ، 68 ، 71 . ( 5 ) مصطفى السباعي ، هذا هو الإسلام ، ط 1 ، بيروت ، المكتب الإسلامي ، 1979 ، ص 10 ، 11 .