صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
82
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وتأتي تلك القيم في استمراريتها من موضوعيتها ، فهي لا يطرأ عليها أي تغيير أو تبديل بسبب تغير الظروف والأزمان ، وهي ليست من نتاج بشر ، بل هي وحي من اللّه تعالى لنبيه ، وعلى هذا تكون الاستمرارية سمة فاصلة بين قيم اللّه سبحانه وتعالى وقيم البشر . و - أنها جامعة للثبات والمرونة ، فهناك قيم عليا ثابتة لا تقبل الاجتهاد أو التغيير أو التبديل ، كالقيم العقدية ، وقيم العبادات وقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما القيم الأخرى فهي نسبية ، بمعنى أن القيم التي تستند إلى نص قطعي الدلالة لا يجوز فيها التغيير أو التبديل ، أما تلك التي تعتمد على ظني الدلالة ، فإن مجال الاختيار فيها واسع ، وهي مرنة مرونة كافية لمواجهة ما يتولد في حياة الناس من مواقف وحوادث ، وما تصير إليه الأمور في المجتمعات ، وهي مما يحتاج إلى نظر وتأمل واستنباط . فالقيم والقواعد القطعية الواجبة لا يجوز فيها التبديل ، أما ما يستحدث من مواقف وما يجوز فيه الاجتهاد ويستجد من قيم بحسب اقتضاء المصلحة زمانا ومكانا وحالا ، فتلحقها الحركة والمرونة ، وبهذه الميزة استطاعت القيم الإسلامية الحفاظ على المجتمع الإسلامي بالرغم من التغيرات التي أصابته والتي واجهته على مر الزمن . ز - أنها وسطية ، تلك الوسطية الانتقائية لا التلفيقية ، فقد عمد الإسلام إلى القيم الجيدة عند العربي فأبقاها وضبطها ، وأضاف إليها ، وزود الإنسان بقيم ليعيش عالمه المادي والمعنوي في توازن دقيق ، وزوده بقيم تهتم بالفرد كما تهتم بالجماعة ، كما وازن بين الدنيا والآخرة ، القوة والرحمة . . . الخ وبهذا كانت معبرة تعبيرا صحيحا عن الفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية ، في واقعية كاملة . إن وسطية القيم الإسلامية لم تلغ الطبيعة البشرية ، بل عملت وتعمل على توجيهها باعتبارها مفاهيم ضابطة ، تعمل على توجيه هذه الطبيعة ، فهي لا تضاد الفطرة ولا تلغيها ولا تكبتها ولا تقف في سبيلها ، بل تحاول توجهها بطريقة دافعة ، ومن منطلق هذه الوسطية يلزم الإسلام الإنسان بالقيم المحققة لإنسانيته ، والتي لا تغلو في طرف وتهمل طرفا آخر ، فالإنسان مطالب - مثلا - بالتوسط في الإنفاق ، والعاطفة ، والاعتقاد ، وتوفية مطالب الروح والجسد ، والآيات التي تؤيد ذلك عديدة منها : - وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً « 1 » . - وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الإسراء ( 29 ) . ( 2 ) سورة القصص ( 77 ) .