صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
36
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
فإذا ابتلى اللّه المؤمن فاستردّ منه نعمة كان قد وضعها بين يديه ليبتليه بها ، فإن المؤمن يتذكّر بسرعة أنّ اللّه هو مالك كلّ شيء ، يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ « 1 » ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ « 2 » . ويتذكّر أيضا أنه هو نفسه مملوك للّه ، وأنّ جميع الخلائق مملوكون له سبحانه وأنهم عباده ، وأنهم جميعا راجعون إليه ، فإذا رجع الملك إلى مالكه فعلام الحزن ؟ وعلام الأسى ؟ ولم الاعتراض ؟ ولماذا التسخط ؟ فحينما يتذكّر المؤمن قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ « 3 » ، وتذكر هذه الحقائق يعلن عبارة الإيمان التي تدلّ عليها فيقول : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ . هذه العقيدة الإيمانية رحمة من اللّه تملأ القلوب طمأنينة وتسليما ، ورضى عن اللّه - عز وجل - فيما جرت به مقاديره « 4 » . فما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأن يتمثل دائما قول اللّه تعالى : قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ « 5 » ، ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ « 6 » . ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 7 » . أي بمشيئته وإرادته عز وجل . قال علقمة : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند اللّه فيرضى ويسلم ، وفي الآية بيان بأن من ثواب الصبر هداية القلب ، وصح في الحديث « لا يقضي اللّه للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له » واللّه عز وجل يقول : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 8 » . وعليه أن يعلم يقينا أن اللّه وحده هو الذي يملك كشف الضر عنه مصداقا لقوله سبحانه : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ « 9 » . وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ « 10 » . إن هذا الاعتقاد الجازم وذلك اليقين الإيماني يجعلان المبتلى يجدد صلته بخالقه ويجلب له سعادة واطمئنانا ، ويلقي عليه من السكينة عند وقوع البلاء ما يجعل نفسه آمنة مطمئنة راضية بقضاء اللّه وقدره ، وهنا يستطيع المسلم أن يتخلص من الاضطرابات الانفعالية التي تصيب المرء عادة عند وقوع البلاء ، وأفضل علاج نفسي لهذه الحالة هو ذكر اللّه - عز وجل - أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ « 11 » . وتلاوة القرآن ، قال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ « 12 » ، « 13 » .
--> ( 1 ) فاطر / 15 . ( 2 ) الحديد / 29 . ( 3 ) الروم / 40 . ( 4 ) الأخلاق الإسلامية ( 2 / 475 - 476 ) . ( 5 ) التوبة / 51 . ( 6 ) الحديد / 22 - 23 . ( 7 ) التغابن / 11 . ( 8 ) البقرة / 216 . ( 9 ) يونس / 107 . ( 10 ) القصص / 68 . ( 11 ) الرعد / 28 . ( 12 ) الإسراء / 82 . ( 13 ) بتصرف واختصار عن : روح الدين الإسلامي ( ص 177 ) .