صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

23

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

الثالث : إصلاح علاقة العبد بالآخرين : ويبدو ذلك جليا في الآتي : - أ - تعلم العبد المسامحة وحسن المعاملة والرضا عن الغير : ومنها أن العبد إذا ابتلي بالمحنة أو بالذنب فإنه يدعو اللّه أن يقيل عثرته ويغفر زلته فيعامل بني جنسه في إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يحب أن يعامله اللّه به ، لأن الجزاء من جنس العمل فمن عفا عفا اللّه عنه ، ومن سامح أخاه في إساءته إليه سامحه اللّه ، ومن عفا وتجاوز تجاوز اللّه عنه ، ويلحق بذلك أن العبد إذا عرف هذا فأحسن إلى من أساء إليه ولم يقابل إساءته بإساءة تعرض بذلك لمثلها من رب العزة والجلال ، وأن اللّه - عز وجل - يقابل إساءته بإحسان منه وفضل ، إذ المولى - عز وجل - أوسع فضلا وأجزل عطاء . ( انظر صفات : السماحة ، الرضا ، حسن المعاملة ) . ب - التواضع مع الخلق والعفو عن زلاتهم : مشاهدة العبد ذنوبه وخطاياه توجب ألا يرى لنفسه على أحد فضلا ولا يقع في اعتقاده أنه خير من أحد ، وأين هذا ممن لا يزال عاتبا على الخلق شاكيا ترك قيامهم بحقه ساخطا عليهم وهم عليه أسخط ، ويستتبع هذا أن يمسك عن عيوب الناس والفكر فيها لأنه مشغول بعيب نفسه ، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس . ( انظر صفات : التواضع ، الرضا ، مجاهدة النفس ) . وإذا شهد العبد نفسه سيئا مع ربه مع فرط إحسانه إليه ، فإن هذا يقتضي منه أن يغفر للمسيئين إليه من حوله ويعفو عنهم ويسامحهم . هذه الثمرات ونحوها متى اجتناها العبد من الذنب فهي علامة كون الابتلاء رحمة في حقه ، ومن اجتنى منه أضدادها وأوجبت له خلاف ذلك ، فهي علامة الشقاوة ، وأنه من هوانه على اللّه وسقوطه من عينه خلى بينه وبين معاصيه ليقيم عليه حجة عدله ، فيعاقبه باستحقاقه ، وتتداعى السيئات في حقه فيتولد من الذنب ما شاء اللّه من المهالك والمتالف التي يهوي بها في دركات الجحيم ، والمعصية كل المعصية أن يتولد من الذنب ذنب ثم يتولد من الاثنين ثالث ثم تقوى الثلاثة فيتولد منها رابع وهلم جرا ، ذلك أن الحسنات والسيئات آخذ بعضها برقاب بعض ويتلو بعضها بعضا ، قال بعض السلف : « إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من عقاب السيئة السيئة بعدها » « 1 » ، « 2 » .

--> ( 1 ) بتصرف واختصار عن ابن القيم ، مفتاح دار السعادة ، 1 / 286 - 296 . ( 2 ) وقد علمنا المولى سبحانه وتعالى ألا نيأس من رحمة اللّه مهما كانت معاصينا ، وأيا كان إسرافنا على أنفسنا فقال : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( الزمر / 53 ) ، وحذرنا من التمادي في المعصية وتأخير التوبة وقرن بين غفرانه لمن تاب وعقابه لمن أعرض فقال : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ( الحجر / 49 - 50 ) .