صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
12
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
ويشمل أيضا ما يصيب الأمم من نحو الزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير وما أشبه ذلك من الابتلاءات التي لا يقتصر أثرها على فرد دون آخر أو جماعة دون سواها ، وقد أشار المولى عز وجل إلى سبب هذا النوع من الابتلاء بقوله : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ * ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « 1 » ، وقوله سبحانه : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ « 2 » . ومن أسباب ظهور هذا الابتلاء الذي قد يتمثل في فساد المياه والهواء والزروع والثمار والمساكن ، ما يقترفه الناس من المعاصي وما يرتكبونه من الآثام ، يقول اللّه تعالى : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ « 3 » . جاء في تفسير هذه الآية الكريمة أن المعنى : ظهرت المعاصي في البر والبحر فحبس اللّه عن الناس الغيث وأغلى سعرهم ليذيقهم عقاب بعض الذي عملوا « 4 » ، وقيل : المعنى أن اللّه يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختبارا منه لهم ومجازاة على صنيعهم لعلهم يرجعون عن المعاصي « 5 » . وقد حذرنا المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم من موجبات هذا النوع من الابتلاء فيما يرويه عنه عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - حيث قال : كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأقبل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بوجهه فقال : « يا معشر المهاجرين ، خمس خصال أعوذ باللّه أن تدركوهن : ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان ، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلو لا البهائم لم يمطروا ، ولا خفر قوم العهد إلا سلط اللّه عليهم عدوا من غيرهم ، فأخذوا ما في أيديهم ، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل اللّه عز وجل في كتابه إلا جعل اللّه بأسهم بينهم » « 6 » . ثالثا : مظاهر الابتلاء : 1 - الابتلاء بالضراء أو الشر : وهو الذي يراد بالابتلاء أو الفتنة عند الإطلاق ، وقد تخفى حكمة هذا النوع على الكثيرين ، إذ قد يراد به اختبار الصدق في الإيمان ، والصبر على الجهاد في سبيل اللّه « 7 » ، قال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ « 8 » ، وقال سبحانه : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ
--> ( 1 ) الأنفال / 51 - 53 . ( 2 ) هود / 117 . ( 3 ) الروم / 41 . ( 4 ) تفسير القرطبي ( 14 / 41 ) . ( 5 ) تفسير ابن كثير ( 3 / 445 ) . ( 6 ) ابن ماجة ( 4019 ) ، وقال في الزوائد : هذا حديث صالح للعمل به ، ورواه أيضا الحاكم في المستدرك ( 4 / 540 ) ، وقال صحيح ، ووافقه الذهبي ، وذكره الألباني في صحيح الجامع ( 2 / 1321 ) ، وانظر صفات : الفحش - الزنا - التطفيف . ( 7 ) انظر صفات : الشكر ، الحمد . ( 8 ) محمد / 31 .