صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

10

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وقد أشارت إلى هذا الابتلاء التكليفي أيضا الآيتان الكريمتان وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا « 1 » . وقوله سبحانه : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ « 2 » . أي أن الابتلاء والاختبار هو في ( المقدرة على حسن العمل ) وقد جاء في تفسير القرطبي أن معنى « أحسن عملا » أورع عن محارم اللّه وأسرع في طاعة اللّه ، ولهذا لا يكون العمل مقبولا إلا مع الإخلاص وموافقة السّنّة ، وقيل : معنى لِيَبْلُوَكُمْ أي ليعاملكم معاملة المختبر ، أي ليبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره ، وبالحياة ليبين شكره ، وقيل : خلق اللّه الموت للبعث والجزاء ، وخلق الحياة للابتلاء ، وعلى ذلك فالابتلاء يتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت « 3 » . 2 - الابتلاء الشخصي : ويراد به : ما يصيب الإنسان في نفسه أو فيمن حوله من أفراد أسرته من السّرّاء والضّرّاء ، وإلى هذا النوع من الابتلاء أشارت الآية الكريمة إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً « 4 » ، وقال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ « 5 » ، وقال سبحانه : وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ « 6 » . 3 - الابتلاء الاجتماعي ( ابتلاء الناس بعضهم ببعض ) : المقصود بهذا النوع من الابتلاء : أن يبتلي اللّه الناس بعضهم ببعض ، وذلك إما برفع بعضهم فوق بعض درجات مصداقا لقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ « 7 » ، وإما بالتفاوت فيما بينهم في حظوظ الحياة الدنيا من الرفعة والضعة ، أو الغنى والفقر وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ « 8 » ، وقال عزّ من قائل : وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ « 9 » . إن الابتلاء هنا يشمل الصنفين جميعا أي المفضّلون ( الأغنياء ) ، والمفضّل عليهم ( الفقراء ) ذلك أن الغنى - ما لم يعتصم بالإيمان - يريد زيادة غناه على حساب الفقير بلجوئه إلى الكنز ، واستسلامه لغريزة الأنانية ، وحب التكاثر والطمع ، وينقاد للظلم والفساد أحيانا ، وينسى حق اللّه في ماله فلا يعطف على فقير أو مسكين ، ويقسو قلبه ولا يتصف بالرحمة أو الإنصاف في حالات أخرى ، أما الفقير - ما لم يتمسك بأهداب التقوى ويصبر على البلوى - فإنه قد يحتال لفقره بالكذب والنفاق ويلجأ إلى زخرف القول ويسعى في الأرض فسادا ليهلك الحرث

--> ( 1 ) هود / 7 . ( 2 ) الملك / 2 . ( 3 ) تفسير القرطبي ( بتصرف يسير ) 18 / 207 . ( 4 ) الإنسان / 2 - 3 . ( 5 ) البقرة / 155 . ( 6 ) آل عمران / 154 . ( 7 ) الأنعام / 165 . ( 8 ) الشورى / 27 . ( 9 ) النحل / 71 .