صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

6

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

إن جوهر العلاقة بين النفس الإنسانية والحياة الدنيا هي علاقة ابتلاء وتمحيص وفتنة ، وسنشير بإيجاز لمعنى كل من النفس والابتلاء والفتنة تمهيدا للحديث عن مظاهر هذا الابتلاء وأنواعه ونتائجه . الابتلاء والفتنة : لفظ « الابتلاء » مأخوذ من مادة ( ب ل و ) التي تدل على نوع من الاختبار من ذلك قولهم : بلي الإنسان وابتلاه اللّه أي اختبره ، قال الشاعر : بليت وفقدان الحبيب بليّة * وكم من كريم يبتلى ثمّ يصبر ويكون البلاء بالخير والشر ، واللّه - عز وجل - يبلي العبد بلاء حسنا وبلاء سيئا ، وذلك راجع إلى معنى الاختبار لأنه بذلك يختبر صبره وشكره ، وبلوته تأتي أيضا بمعنى جزيته « 1 » ، وتأتي كذلك بمعنى استخبرته ، يقال : بلوته فأبلاني أي استخبرته فأخبرني ، والاسم من الابتلاء : البلوى والبلية والبلاء والجمع من ذلك : بلايا « 2 » ، وفي الحديث : « اللهم لا تبلنا إلّا بالتي هي أحسن » ويقال : أبلاه اللّه بلاء حسنا إذا صنع به صنعا جميلا ، وقال ابن قتيبة : يقال : من الخير أبليته ومن الشر بلوته « 3 » ، وعقب على ذلك الرأي ابن منظور فقال : والمعروف ( في اللغة ) أن الابتلاء يكون بالخير وبالشر معا من غير فرق بين فعليهما ومن ذلك قوله تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ « 4 » ، « 5 » ، وقال ابن بري : يأتي الابتلاء أيضا بمعنى الإنعام كما في قوله - عز من قائل - : وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ « 6 » . أي إنعام بيّن ، وقال تعالى في قصة سليمان عندما سخّر له من يأتيه بعرش بلقيس في طرفة عين : قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ « 7 » ، وفي الحديث : « من أبلي فذكر فقد شكر » قال ابن الأثير : الإبلاء « هنا » هو الإنعام والإحسان « 8 » . الابتلاء اصطلاحا : قال الكفوي : الابتلاء : التكليف في الأمر الشّاقّ ، ويكون في الخير والشر معا ، ولكنهم ( عادة ما ) يقولون : في الخير أبليته إبلاء وفي الشر : بلوته بلاء « 9 » . وقال المناوي : البلاء كالبلية : الامتحان ، وسمي الغم بلاء لأنه يبلي الجسد « 10 » . وقال ماجد كيلاني : الابتلاء هو اختبار مدلول العبادة بمظاهرها الدينية والاجتماعية والكونية وهو المظهر العملي لعلاقة العبودية بين اللّه - عز وجل - والإنسان « 11 » .

--> ( 1 ) مقاييس اللغة لابن فارس 1 / 292 ، والصحاح للجوهري 6 / 2285 . ( 2 ) لسان العرب لابن منظور 1 / 355 ( ط . دار المعارف ) . ( 3 ) النهاية لابن الأثير ( بتصرف ) 1 / 155 . ( 4 ) الأنبياء / 35 . ( 5 ) لسان العرب 1 / 355 ( ط . دار المعارف ) . ( 6 ) الدخان / 33 . ( 7 ) النمل / 40 . ( 8 ) النهاية لابن الأثير 1 / 155 . ( 9 ) الكليات 1 / 29 . ( 10 ) التوقيف ص 82 . ( 11 ) ماجد كيلاني ، فلسفة التربية الإسلامية ص 161 ( بتصرف ) .