العلامة المجلسي
47
بحار الأنوار
فرحل القوم يجدون السير إلى ديارهم ، وقد غنموا أسلابا من اليهود ، وخيلهم وسلاحهم ، وقد فرحوا بالنصر والظفر ، فلما استقاموا على الطريق قال لهم ميسرة : ما منكم أحد يا قوم إلا وقد سافر مرة أو مرتين أو أكثر ، فهل رأيتم أبرك من هذه السفرة ، وأكثر من ربحها ؟ وما ذلك إلا ببركة محمد صلى الله عليه وآله ، وهو قد نشأ فيكم وهو قليل المال ، فهل لكم أن تجمعوا له شيئا من بينكم على جهة الهدية حتى يستعين به على حاله ، فقالوا له : والله لقد أصبت الرأي يا ميسرة ، ثم إن القوم نزلوا منزلا كثير الماء والأشجار والأنهار ، فاستخرج كل واحد منهم شيئا لطيفا ، وجاؤا به على سبيل الهدية ، وكان يحب الهدية ، ويكره الصدقة ، فلما جمعوه ( 1 ) بين يديه قالوا له : خذها مباركة عليك ، فدفعها إلى ميسرة ولم يرد جوابا ، ثم إن القوم رحلوا يجدون السير ، ويقطعون الفيافي والأودية إلى أن نزلوا دير الراهب ، وهو الوادي الذي تزودوا منه التمر ، ثم إنهم رحلوا حتى قربوا من مكة ونزلوا بحجفة ( 2 ) الوداع ، فأخذ الناس ينفذون إلى أهاليهم يبشرونهم بقدومهم وغنمهم ، قال أبو جهل لعنه الله : يا قوم ما رأيت ربحا أكثر من سفرتنا هذه ، فقالوا ( 3 ) : نعم ، قال : وأكثرنا أرباحا محمد صلى الله عليه وآله ، قال : ما كنت أحسب أنه يجلبهم من أماكنهم ، ويبيع عليهم بأغلى الثمن ، ثم أخذ القوم في إنفاذ رسلهم ، ونفذ أبو جهل وغيره ( 4 ) رسلا ، فأقبل ميسرة إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال : يا قرة العين هل أرشدك إلى خير يصل إليك ؟ قال : ما هو ؟ قال : تسير من وقتك وساعتك إلى مولاتي خديجة ، وتبشرها بسلامة أموالنا ، فإنها تعطي من يبشرها خيرا كثيرا ، وأنا أحب أن يكون ذلك لك ، فقم الآن وسر إلى مكة ، وادخل على مولاتي خديجة وبشرها بسلامة أموالها ، فقام النبي صلى الله عليه وآله وقال : يا ميسرة أوصيك بمالك ونفسك خيرا ، وركب مستقبل الطريق وحده يريد مكة ، وغاب عن الابصار ، فبعث الله ملكا يطوي له البعيد ، ويهون عليه الصعب الشديد ، فلما أشرف على الجبال
--> ( 1 ) في المصدر : جمعوها . ( 2 ) في المصدر : بجحفة الوداع ، بتقديم الجيم . ( 3 ) في المصدر : قالوا يا سيدنا ما فينا من ربح مثل ما ربح محمد . ( 4 ) ذكر في المصدر مكان غيره أسماء يطول ذكرهم .