عماد الدين خليل
95
المستشرقون والسيرة النبوية
فهو يقول - مثلا - معلقا على أقصوصة اعتراف الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأصنام قريش الثلاثة ( اللات والعزى ومناة ) ، عبر مساومته مع الزعامة القرشية فيما يعرف ( بالآيات الإبليسية ) التي سبق وأن ناقشنا تبنّيه لها في مكان آخر : « عد الفقهاء المسلمون الذين ظلوا بعيدين عن المفهوم الغربي الحديث للنمو التدريجي محمدا على أنه قد أخبر منذ البدء بالمضمون الكامل لعقيدة الإسلام ، فكان من الصعب عليهم أن لم ير محمد خروج الآيات الإبليسية على عقيدة الإسلام ( ! ! ) والحقيقة هي أن توحيده كان في الأصل ، كما كان توحيد معاصريه المثقّفين ، غامضا ، ولم ير بعد أنّ قبول هذه المخلوقات الإلهية ( ! ! ) كان يتعارض مع هذا التوحيد . لا شك أنه يعد اللات والعزى ومناة على أنها كائنات سماوية أقل من اللّه ، كما اعترفت اليهودية والمسيحية بوجود ملائكة . ويتحدّث القرآن عنها في الفترة ( الأخيرة ) ؟ المكية باسم الجن وإن كان يتحدث عنها في الفترة المدنية على أنها مجرد أسماء ، إذا كان ذلك فليس من الضروري اكتشاف سبب خاص للآيات الإبليسيّة ، فهي لا تدل على أيّ تقهقر واع للتوحيد ، بل هي تعبير عن النظريات التي دافع عنها دائما محمد » « 1 » . أية فوضى فكرية هذه ؛ وأيّ تصوّر مضطرب متهافت للدين ، لا هو بالمادي فيرفض الحقيقة الدينية ، ولا هو بالمؤمن فيعترف ببداهتها ومسلماتها ؟ ! لقد بعث الرسول صلى اللّه عليه وسلم كما بعث سائر الأنبياء عليهم السلام من قبله ، بعقيدة واضحة كل الوضوح ، صارمة أشد الصرامة ، مستقيمة بيّنة لا تقبل نكوصا أو التواء ، ولا تقبل تغيّرا أو تطورا تدريجيا : إنها شهادة ألاإله إلّا اللّه ، بكل ما تعنيه هذه الشهادة من تسليم كامل بالألوهية المتفرّدة الواحدة ، ورفض للتعدد بشتى صيغه وأشكاله :
--> ( 1 ) محمد في مكة ، ص 170 .