عماد الدين خليل

9

المستشرقون والسيرة النبوية

وأما الطبقة الثانية فهي اعتماد موقف موضوعيّ بغير حكم مسبق ، يتجاوز كل الإسقاطات التي من شأنها أن تعطّل عمليّة الفهم . وأما الطبقة الثالثة فهي ( تقنية ) صرفة تقوم على ضرورة الإحاطة الجيّدة بأدوات البحث التاريخيّ : بدا باللغة وجمع المادّة الأوّلية ، وانتهاء بطرائق المقارنة والموازنة والنقد والتركيب . . إلى آخره . . وإذا كان الغربيون قد بلغوا حد التمكن والإبداع في هذه الدائرة الأخيرة ، فإنهم في نهاية الأمر لم يستطيعوا أن يقدّموا أعمالا علميّة بمعنى الكلمة لواقعة السيرة ، ولا قدروا حتى على الاقتراب من حافّة الفهم ، بسبب أنهم كان يعوزهم التعامل الأكثر علميّة مع الدائرتين الأوليين : احترام المصدر الغيبيّ ، واعتماد الموقف الموضوعيّ . . بصدد النقطة الأولى فإنّه يصعب علينا أن نطلب من الغربيين النصارى والمادّيّين - وبخاصة الأخيرين منهم - التحقّق بإيمان كهذا . . بل إنه أمر يكاد يكون مستحيلا . . ولكن من ناحية علمية ، بالمفهوم الشامل للعلم ، فإنّه لا بدّ من هذا التحقق إذا أريد إدراك واقعة السيرة ومتابعة حبكة نسيجها ذي الخلفية الغيبية ، باعتباره حركة دين سماويّ قادم من ( فوق ) وليس تجربة بشرية متخلّقة في تراب الأرض . أما بصدد الدائرة الثانية ، فإنّ مما يؤخذ على الباحث الغربيّ تجاوزه ( الموضوعية ) في مناهج تعامله مع السيرة . . فلو أنه حاول التزامها ، وحرر عقله من عوامل الشد الزمنية والمكانيّة والمذهبيّة والنفسيّة ، ولو أنه قدر على تجاوز النسبيّات وضغوط الإسقاطات المرحلية ، فإنه كان سيتمكن من تقديم أعمال أنضج بكثير ، وأقرب إلى روح الواقعة ، وتركيبها ، وإيقاعها . . إن منهج البحث في السيرة للمؤرخ الغربي أو المستشرق ، يمثل بحد ذاته جدارا يصدّه عن الفهم الحقيقيّ لوقائع السيرة ونسيجها العام . .