عماد الدين خليل
78
المستشرقون والسيرة النبوية
إن ( وات ) من حيث لا يشعر القارئ أحيانا ، يمارس تزييفا للسيرة قد لا يكون متعمدا . . إنه يخفّف من ألوانها العميقة المتميّزة ، ويجرّد جدلها ، أو حوارها ، في الداخل والخارج ، أي : بين المسلمين أنفسهم ، وبينهم وبين الخصوم ، من أبعاده ( الدراميّة ) التي تمنحه الفاعليّة والحيويّة والعمق . . مثلا . . إنه يستنتج أنّ اضطهاد الزعامة الوثنيّة للمسلمين لم يكن عنيفا بالشكل الذي تصوّره الروايات ، وأن هجرتهم إلى الحبشة لم تكن بسبب العذاب والاضطهاد . . وأن قريشا لم تفكر يوما بقتل الرسول صلى اللّه عليه وسلم . . وأن وحدة المسلمين الداخلية كانت تهتز بين الحين والحين بمحاولة الانشقاق تارة ، وبالعصيان الديني تارة أخرى . . بل إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم دخل مرة في مساومة مع الوثنية . . وفي أي شيء ؟ في أعز ما جاء به ، وأشدّه تمنعا على المساومة والتنازل : وحدانية اللّه المطلقة ، ورفض عبادة الأصنام أو الاعتراف بها بالحسم الذي يليق بجدّية هذا الدين . قد يسأل سائل : وما علاقة العمق اللوني لنسيج السيرة ، والبعد الدارمي لعلائقها المتنوعة ، بالبحث العلمي في التاريخ ؟ ! والجواب واضح تماما . . إن البحث التاريخيّ العلميّ الجادّ يجب أن يحقّق أكبر قدر من الاقتراب من صورة الواقعة التاريخية وصيغها . . . أن يسعى لاستعادتها كما تخلّفت وتلوّنت فعلا . . أن يستعيد - مرّة أخرى - معدّلات تشكّلها بالدرجة وبالنوع نفسهما قدر الإمكان . فإذا عجز البحث ، بدرجة أو أخرى عن تحقيق هذه الاستعادة سواء في صيغ الواقعة التاريخية أو طبيعة علاقتها الحوارية مع كافة الأطراف . . إذا عجز عن وضع يده على إيقاعها بالدرجة نفسها التي كانت عليها . . فإن عجزه هذا لا يعدو أن يكون عجزا علميا ، أي : عجزا في قدراته على البحث والتحليل والتوصّل إلى كشف النقاب عن الوقائع كما تشكّلت