عماد الدين خليل

73

المستشرقون والسيرة النبوية

ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم ، وأحزنه ضلالهم ، فكان يتمنى هداهم ، فلما أنزل اللّه سورة النجم قال : ( أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) ألقى الشيطان عندها كلمات فقال : وإنهن لهن الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهنّ لهي التي ترتجى . . . فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة ، وتباشروا بها وقالوا : إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه ، فلمّا بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم آخر النجم سجد ، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك . . فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود . . فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين ، ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين . . فاطمأنت أنفسهم - أي : المشركون - لما ألقى الشيطان في أمنية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحدّثهم به الشيطان : أن رسول اللّه قد قرأها في السورة ، فسجدوا لتعظيمهم آلهتهم . . ثم نسخ اللّه ما ألقى الشيطان وأحكم آياته ، وحفظه من الفرية وقال : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ . . . ) إلخ ، فلما بيّن اللّه قضاءه وبرّأه من سجع الشيطان ، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين ، واشتدّوا عليهم . . » وهناك روايات أخرى أجرأ على الافتراء ، تنسب قولة . . الغرانيق تلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتعلل هذا برغبته - حاشاه - في مراضاة قريش ومهادنتها ! ! وروايات الحادثة جميعا مرفوضة منذ الوهلة الأولى . . فهي فضلا عن مجافاتها لعصمة النبوة وحفظ الذكر من العبث والتحريف ، فإن سياق السورة ذاته ينفيها نفيا قاطعا ، إذ إنه يتصدّى لتوهين عقيدة المشركين في هذه الآلهة وأساطيرهم حولها ، فلا مجال لإدخال هاتين العبارتين في سياق السورة بحال ، حتى على قول من قال : إن الشيطان ألقى بها في أسماع المشركين دون المسلمين ، فهؤلاء المشركون كانوا عربا يتذوّقون لغتهم ، وحين يسمعون هاتين العبارتين المقحمتين ويسمعون بعدهما : ( أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ