عماد الدين خليل

64

المستشرقون والسيرة النبوية

الجيوش الإسلامية التي أحسنوا قيادتها . والواقع أن الآيات القرآنية « 1 » توحي بأن دافع الهجرة هو الاضطهاد الشديد الذي وقع على المسلمين ، والمحاولات التي بذلها المشركون لفتنتهم ، وإنها هي التي دفعت الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى الإيعاز بالهجرة « 2 » ، الأمر الذي كاد أن يدفع أبا بكر نفسه إلى الهجرة لولا أن أجاره أحد الزعماء « 3 » . وحتى في المسائل الحاسمة التي لا تقبل مداورة ولا التواء ، يحاول ( وات ) أن يقتحم ( بشكّه ) و ( نفيه الكيفيّ ) جدار الوقائع ، لكي يزرع هناك افتراضاته وتحليلاته . إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يهاجم يوما عبادة الأصنام في الكعبة ، وإنما انصبّ هجومه على عبادة الأصنام القابعة في المعابد الكائنة في ضواحي مكة . ولذا فإن معارضة مكة للإسلام لم يكن سببها الأساسي « الخوف من أنه إذا دان أهل مكة بالإسلام وتركوا الإلحاد كفّ البدو عن زيارة الكعبة ، وحلّ الخراب بذلك في تجارة مكة ، وهذا السبب غير مرض ، فسوف نحاول عبثا العثور في القرآن على أي أثر لمهاجمة عبادة الأصنام في الكعبة . . ولقد رأينا أن الهجوم على عبادة الأصنام كان في المعابد الكائنة في ضواحي مكة ولم يكن لهذه المعابد أهمية تجعل التخلّي عنها يهدد بانهيار التجارة المكّية عامة » . ويخلص ( وات ) إلى القول بأن « فتح مكة لم يغيّر سوى الميزات الثانوية » « 4 » . لقد كانت دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم منذ لحظات ( إعلانها ) الأولى وحتى دخول مكة وتحطيم الأصنام ، صيحة متواصلة ضد الوثنية ، وصراعا مكشوفا ضد الأصنام أيا كانت في مكة أو خارجها .

--> ( 1 ) انظر : العنكبوت : 1 - 23 ، البروج : 10 ، القصص : 57 ، الزمر : 10 ، النحل : 41 ، 110 . ( 2 ) د . صالح أحمد العلي : محاضرات في تاريخ العرب : 1 / 368 . ( 3 ) البلاذري : أنساب : 1 / 205 - 206 . ( 4 ) محمد في مكة ، ص 213 - 214 .