عماد الدين خليل

55

المستشرقون والسيرة النبوية

ولكنّنا نودّ أن نشير هنا إلى دوّامة ( الشكّ ) التي يثيرها ( وات ) في لحظات ( الوحي ) الأولى . . إن المسألة واضحة ، وقد جرت بالشكل المعروف التالي الذي تحدّثنا به عائشة رضي اللّه عنها : « . . . حبب إليه صلى اللّه عليه وسلم الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه ، ( يتعبد الليالي ذوات العدد ) قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطّني « 1 » حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ، ثم أرسلني فقال : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) ، فرجع بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد ، فقال : زمّلوني ، زمّلوني ، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلّا واللّه ما يخزيك اللّه أبدا ، إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ، وكان امرأ قد تنصّر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ من الإنجيل ما شاء اللّه أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت خديجة : يا بن عم اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا بن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزّل اللّه على موسى ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني حيا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أو مخرجيّ هم ؟ قال : نعم . . لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلّا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي » « 3 » .

--> ( 1 ) أي : ضمّني وعصرني . ( 2 ) أي : رجع بالآيات أو القصة . ( 3 ) البخاري : ( تجريد : 1 / 6 - 7 ، طبعة سنة 1931 م ) .